
في وقت تتكثف فيه الضغوط الأميركية والإسرائيلية على لبنان لتحقيق ما كان يُعتبر حتى وقت قريب هدفاً شبه مستحيل، أي تفكيك ترسانة “حزب الله” وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بدأت مراكز أبحاث مؤثرة في واشنطن تطرح مساراً موازياً يقوم على دور سوري مباشر في هذه العملية. وتستند هذه المقاربة إلى قناعة مفادها أن أي محاولة لنزع سلاح الحزب ستبقى ناقصة إذا استمر قادراً على إعادة بناء قدراته العسكرية عبر الأراضي السورية.
وبحسب تقرير للباحثين ديفيد داود وأحمد شراوي في مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات” الأميركية (FDD)، فإن الفرصة المحدودة المتاحة حالياً أمام الدولة اللبنانية لتفكيك ترسانة الحزب ستكون محكومة بالفشل إذا بقيت سوريا تشكل ممراً لإعادة التسلح ونقل الأسلحة والأموال.
ويرى الباحثان أن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية التي أُعلن عنها الأحد، والتي تحاول طهران ربطها بوقف القتال في لبنان، تجعل ملف نزع سلاح “حزب الله” أكثر إلحاحاً وتعقيداً في آن واحد. فالاتفاق قد يخفف من حدة المواجهة العسكرية، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في قدرة الحزب على البقاء وإعادة بناء نفسه عبر سوريا.
ويذكّر التقرير بأن سوريا شكلت طوال سنوات العمق اللوجستي والاستراتيجي للحزب، حيث كانت الصواريخ والذخائر تنتقل من إيران عبر الأراضي السورية إلى لبنان. ورغم أن سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد أدى إلى تضييق هذه المسارات، إلا أنها لم تختفِ بالكامل.
ويستشهد الكاتبان بتصريح لمسؤول عراقي في أيلول 2025 أكد فيه أن “حزب الله” ما زال يعتمد على شبكات تهريب قادرة على إيصال الشحنات حتى دمشق، في مؤشر إلى استمرار عمل شبكات مرتبطة ببقايا النظام السوري السابق ومهرّبين محترفين لنقل الأسلحة والأموال.
ولا يقتصر دور سوريا، وفق التقرير، على تهريب الأسلحة فقط، بل يشمل أيضاً شبكات مالية وتجارية نشأت خلال الحرب السورية واستفاد منها الحزب. فالسلطات الجديدة في دمشق، رغم أنها ليست حليفة له، ما زالت منشغلة بتثبيت سلطتها وإدارة التحديات الداخلية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على تفكيك كامل هذه الشبكات.
مع ذلك، يشدد التقرير على أن السلطات السورية الجديدة لا تملك أي مصلحة في استمرار وجود “حزب الله” على أراضيها أو استخدام سوريا منصة لإعادة بناء قوته، خصوصاً أن الحزب قاتل إلى جانب نظام الأسد خلال الحرب السورية.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن دعمه العلني لجهود نزع سلاح “حزب الله”، مؤكداً أن سوريا “تقف إلى جانب لبنان في نزع سلاح الحزب”.
كما ينقل عن مسؤولين إسرائيليين أنهم منحوا السلطات السورية الجديدة “علامات مرتفعة جداً” نتيجة جهودها في تعطيل طرق تهريب السلاح. ويستند هذا التقييم إلى اعتراض دمشق شحنات صواريخ وأسلحة كانت متجهة إلى الحزب، إضافة إلى إحباط مخطط تخريبي مرتبط به خلال نيسان الماضي كان يستهدف إسرائيل.
ورغم هذه الخطوات، يرى الباحثان أن دمشق لا تملك حالياً القدرة على تنفيذ عمليات الملاحقة بالحجم المطلوب لمنع تعافي الحزب بصورة فعالة. ومن هنا يدعوان إلى تحويل هذه الجهود المحدودة إلى استراتيجية شاملة عبر دعم إسرائيلي وإشراف أميركي.
ويكشف التقرير أن واشنطن نجحت خلال العام الماضي في إنشاء قنوات لإدارة التوتر بين إسرائيل وسوريا، ما أوجد لأول مرة فرصة لتعاون عملي بين دمشق وتل أبيب، رغم استمرار الشكوك المتبادلة بين الطرفين.
وانطلاقاً من ذلك، يدعو الباحثان إلى إنشاء مسار سوري – إسرائيلي خاص بنزع سلاح “حزب الله”، بالتوازي مع المسار الذي ترعاه واشنطن بين لبنان وإسرائيل. ويقترحان أن يبدأ هذا المسار بتبادل المعلومات الاستخباراتية حول عمليات نقل السلاح وشبكات التهريب، وصولاً إلى تنسيق أمني أوسع لمنع إعادة بناء قدرات الحزب عبر الأراضي السورية.
ويقر التقرير بأن واشنطن تستثمر بقوة في المفاوضات التي ترعاها بين لبنان وإسرائيل، لكنه يشدد على أن استمرار النفوذ العسكري والاجتماعي لـ”حزب الله” داخل لبنان يجعل نجاح الدولة اللبنانية في نزع سلاحه أمراً غير مضمون. لذلك يعتبر الكاتبان أن المسار السوري – الإسرائيلي المقترح يشكل “خطة احتياطية” لمنع الحزب من استعادة قوته السابقة.
ويخلص الباحثان إلى أن منع “حزب الله” من إعادة بناء قدراته العسكرية يتطلب، من وجهة نظرهما، تعاوناً إقليمياً يتجاوز الساحة اللبنانية، ما يجعل سوريا عنصراً أساسياً في أي استراتيجية مستقبلية تستهدف سلاح الحزب وشبكات دعمه.