
مثل “المخلوطة” الطبق “المعجوق” الذي لا نعرف “كوع من بوع” مكوناته، تمرّ هذه الايام مزدحمة بألف عنوان وعنوان، محورها- تكراراً- إصرار طرف على اللعب المتواصل بالنار، مكرساً نفسه الحاكم بأمر البلاد والعباد. البارحة، قبل يومين، مرّ عيد العمال. كان يوم عطلة. لم يعد لهذا العيد في بلدنا أيّ لزوم ما دامت “الأكثرية” تشحذ والشباب هاجروا والمسنون يحوطون ذقونهم بأكفهم ويتأففون على “الأيام العاطلة”. أصبح عيد العمال، كما عيد التحرير، بلا معنى بعدما فُقد العمل وطار التحرير وأصبحت إسرائيل في عقر الدار. في كل الأحوال، مرّ يوم اللا عمل، بموازاة غارات على “طرق النفس”، ترافقت مع معايدات من رسميين ونقابيين، إستعاروا جملاً إنشائية، وانتهى العيد. نُعيد؟ كيف يمضي اللبنانيون- من عقود- أيامهم؟ وماذا في أيام شهر أيار من مناسبات وارتجاجات؟
“ليبانون ديبات”-نوال نصر
إستفاق رئيس الإتحاد العمالي العام بشارة الأسمر ليقول “الأوضاع المعيشية في لبنان سيئة وكارثية جداً”. فلنتركه يعود ويغط في نومه. وزير العمل محمد حيدر عايد اللبنانيين إنشائياً بالقول “أثبتم أنكم عصيون على الكسر”. فردّ عليه عاطل عن العمل “لا يُعالج واقع العامل اللبناني- معاليك- بالخطابات بل بالإجراءات. فماذا تفعلون من أجلنا؟”. كلهم، خاطبوا “العامل اللبناني”، أما صاحب العيد- فعكس كل الآخرين- كان منهمكاً في هذا النهار بالبحث عن فرصة عمل.
اللبنانيون تعبون، مقهورون، يشاهدون العمر يمرّ سريعاً وهم يعودون أسرع إلى الوراء، ممسكين بهاتف ذكي، وحده يُذكرهم أن الدنيا تطورت كثيراً وهم ما زالوا يحيون “على البعل”، في العراء، يشحذون اللقمة، ويتفرجون على الرزق يزول. ويطل من يعايدهم بعبارة ببغائية: كل عام وأنتم بخير. هناك من سيقول: نحن نمرّ في ظروفٍ إستثنائية مطلوب فيها التضافر والصمود. وهنالك من سيجيبونه “ع آخر نفس”: هل تتذكر مرور سنة- سنة واحدة- بلا ظروف إستثنائية؟
بين المنطق الذي يرى فيه البعض إنهزامية، وبين علامة الإنتصار فوق جثث وأشلاء التي يرى فيها البعض الآخر إنكار، فقدت كل المناسبات معانيها. لكن، ما لا ينتبه إليه “ولاد البلد” أن ليس دائما “ما يصيبنا لم يكن ليُخطئنا” بل أن الكثير مما أصابنا من محن لم يكن وليد الصدفة. فلنأخذ الإتحاد العمالي العام في البلد مثلاً. السياسيون- الملتصقون في مقاعدهم كما المادة اللاصقة “ألتيكو”- إشتغلوا منذ اللحظة الأولى للإمساك برقبة الإتحاد. وللأسف نجحوا. الإتحادات العمالية في العالم تخيف السياسيين أما هنا فعمل السياسيون على “تلغيمها” من خلال بعثرتها على قاعدة “فرق تسد”. الإتحاد شُكّل من إتحادات تنتمي إلى حركة أمل وحلفائها من البعث والقومي وطبعا “الحزب”. القبعة الخرقاء- رئاسة الإتحاد العمال العام- مسيحية وممسكو خيط “الماريونيت” غير مسيحيين. هكذا يعطون للعبتهم بعداً غير طائفي. هكذا تمّ القضاء- على مدى عقود- على المؤسسة التي يفترض أن تقدم للعامل اللبناني الذي يموت في النهار القصير ألف مرة أكثر من مقولة جوفاء من نوع: كل عام وأنت بخير.
إنه أيار. قبل يومين كان عيد العمال. وبعد يومين يحلّ عيد الشهداء. وبعد أسبوعين ستحلّ ذكرى 17 أيار. الشهر حافل بالمناسبات الموجودة والمناسبات المتوقعة وبأصوات النشاز. البلد بين شاقوفين. الحرب إلى ما لا نهاية أو سلام. وبين التهديد والوعيد سيكرج هذا الشهر.
بعيداً عن “التهاني” بعيد العمال، تعالوا نسأل مع دنو ذكرى 17 أيار 1983- وكلام عن نوايا توجه رئيس البلاد في أيار 2026 إلى واشنطن تمهيدا- ربما- لاتفاق ما، عن قصة إتفاق 17 أيار الذي صمد تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً؟ هل صحيح أن من نفذه يستحق نعت “العمالة” ومن عارضه “وطني”؟ 43 مرة مرّ عيد العمال على ذاك التاريخ “المشؤوم” أو الذي كان “موعوداً” وما زال كلما دقّ الكوز في الجرة يقولون عمن وقعوه- من مسيحيين ومسلمين وسلطتين تشريعية وتنفيذية- “خونة”. نعم، لم يكن أمين الجميل وحده من كان وراء هذا الإتفاق وإن كان أول- وأبرز- من تلقوا الإتهامات المباشرة والمبطنة من أجل ذلك. فلنستعد تلك التفاصيل على لسان حيّ شاهد يُرزق: “هذا الإتفاق الذي سمي بالسابع عشر من أيار هو فعلياً “إتفاق جلاء القوات الإسرائيلية” أما إختصاره من دون ذكر فحواه وهدفه فعمل مقصود. حاز هذا الإتفاق على إجماع تاريخي وتمت الموافقة عليه في إجتماع مجلس الوزراء في السادس عشر من أيار عام 1983، الذي تغيّب عنه أربعة نواب وصوّت ضده إثنان. ووافقت عليه القيادات اللبنانية وملوك ورؤساء دول عربية. لكن هذا الإتفاق كان ضحية الصراع الأميركي- السوفياتي، بمعنى أن إلغاءه شكّل إنتصاراً للدور السوفساتي على الدور الأميركي الذي كان وسيطاً بين لبنان وإسرائيل في المفاوضات”.
من سألوا يومها أمين الجميل عنه- ويسألونه اليوم- يجيب “كان الإتفاق إنجازاً دبلوماسياً نادراً في العلاقات العربية- الإسرائيلية. فكلّ إنسحاب إسرائيلي جدي من منطقة عربية محتلة إنتهى بمعاهدة سلام، أما الإتفاق اللبناني فانتهى باتفاق أمني، وكان المفاوضون فيه تقنيون لا سياسيين”.
إنتهى الإتفاق قبل أن يولد. ووُضع لبنان في علبة سردين مفخخة مستمرة بين إحتلالين إسرائيلي وسوري ولسان حال “حلفاء سوريا” إستمرّ طويلاً “فرقٌ بين أن يظلمني أخي أو أن يظلمني عدوي” متناسين مقولة “وظلم ذوي القربى أشد مضاضة”. ” 43 عاماً، كان يومها كامل الأسعد رئيساً للبرلمان اللبناني الذي كان بعيداً- بعد السماء عن الأرض- عن الديماغوجية. أما رئيس الحكومة آنذاك شفيق الوزارن- يتابع المصدر الحيّ- فأيّد الإتفاق لكن الشارع السني يومها تعاطف مع سوريا. وإصرار إسرائيل أن تنسحب بعد إنسحاب سوريا طيّر الإتفاق. ولعلّ موقفها من ترسيم الحدود لاحقاً في مزارع شبعا كان وسيلة لتظلّ لها اليدّ الطولى في لبنان والحفاظ على البلد ساحة تفاوض”.
لم يسقط اتفاق السابع عشر من أيار “شعبيا ولا بسبب انتفاضة السادس من شباط، بل بسبب قدرة كيسنجر على إقناع الرئيس حافظ الأسد بأن مصلحته أن تظل إسرائيل في لبنان. أقنعه. وأتى مستشار الرئيس رونالد ريغن للأمن القومي روبرت ماكفرلن الى لبنان وصرّح الى صحيفة “لوريان لوجور” “أن لا إجماع لبنانياً على الاتفاق”.
مرّ يومها عيد العمال “تحت النار”. كثيرون عايدوا “أصحاب العيد” بالعبارة الببغائية: كل عام وأنتم بخير. لكن، لم يأتِ عام عليهم وهم بخير. أحداث كثيرة توالت. ووجود “حزب الله” كان ضرورياً ليبقى لبنان رهينة. أتى إتفاق الطائف وأصبح لبنان ورقة كلية في اليدّ السورية. حدثت حروب وأصبح لبنان دويلة. وفي كلِ حرب إعتراضية كان يسقط البلد أكثر في براثن الإحتلال.
الآن، غارات تتساقط وتقتل وتُشلع وتدمر وتحتلّ. وفي الميدان عناصر “منها من قضى نحبه ومنها من ينتظر وما بدّل تبديلا”. وفي الداخل سيمفونية “كل عام وأنتم بخير” تتكرر. حدثت حرب تموز 2006 ومقولة “لو كنت اعلم”. في 2023 حدثت حرب إسناد ودُمر البلد. وفي 2026 أسندت “المقاومة الإسلامية” نفسها إيران. ودائماً- نعم دائماً- يسقط البلد في الحضيض أكثر فأكثر في ظلّ كلام كثير من نوع “الميدان يتكلم”. فماذا عن كلام الميدان؟ نصف سكان البلد في العراء والنصف الآخر- من بقي يعمل ويسكن تحت سقف بيت- عليه أن يعمل ليُسدد نفقة المتشردين النازحين. البارحة، في الأول من أيار، سمع موظفو الدولة أن الخزينة العامة لن تتمكن في سداد الأجور الشهر المقبل إذا إستمرت الإيرادات بالتضاؤل وحاجيات الإنفاق إلى تصاعد. إنها “عيدية” هذه السنة إلى من تبقى من عمال البلاد. هناك من سيضحك مردداً: “ما بال هؤلاء فنحن نصنع الإنتصارات!”. كلام كثير من هذا النوع يصدر- ويرتفع في زمن السوشال ميديا- في ظلِّ تخوين مبرمج لكل من يبحث عن سبل إجلاء الإحتلال الإسرائيلي في الواقع لا في مظاهر الموت. وكلنا نعلم أن الحروب لا تنتهي إلا بالمفاوضات.
ماذا بعد؟ اللبنانيون- ما تبقى من عمال وغير عمال- في الحضيض. والبلد كرمى “عيون إيران” يدفع الفاتورة مجددا في ظلِّ أخطار جمة محدقة بعد. إننا في أيار وهيهات من اللاعبين أيار.