
يشكل أمن الطاقة دعامة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، حيث يرتبط الإنتاج والتجارة والصناعة بشكل وثيق بتدفق مستمر للنفط والغاز. وفي صلب هذا النظام الحساس، يقع مضيق هرمز في موقع محوري ضمن الصراع الجيوسياسي بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما، حيث تتداخل التوترات السياسية مع المصالح الاقتصادية الحيوية. ومع ازدياد حدة المواجهة، تتصاعد المخاوف من تحول هذا الممر المائي الضيق إلى أداة ضغط وابتزاز استراتيجي.
وقد أثرت هذه التوترات بشكل مباشر على سلوك شركات الشحن العالمية، حيث اتجهت شركات تشغيل ناقلات النفط العملاقة إلى اتخاذ تدابير وقائية عن طريق زيادة سرعة عبور سفنها في المضيق إلى مستويات غير معتادة، وصلت في بعض الحالات إلى حوالي 17 عقدة بحرية، مقارنة بالمعدل الطبيعي الذي لا يتجاوز عادة 13 عقدة للناقلات المحملة بالكامل. ويأتي هذا الإجراء في ظل تصاعد المخاوف الأمنية، خاصة بعد إعلان إيران عن إجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحية في المنطقة، مما زاد من قلق شركات التأمين والملاحة الدولية بشأن المخاطر المحتملة التي تهدد سلامة الملاحة.
في ضوء هذه الظروف، يتجدد الحديث عن أهمية مضيق هرمز كأحد أخطر نقاط الاختناق في العالم، وعن تداعيات أي تصعيد عسكري أو سياسي على استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بشكل عام.
يعتبر مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، فهو، بحسب المتخصص في النقل البحري الدولي الدكتور وسام ناجي، “ممراً ملاحياً ضيقاً في منطقة الخليج العربي، ويشكّل المنفذ الرئيسي لنفط دوله إلى العالم الخارجي، ويُلقّب بحق بـشريان الحياة للعالم الصناعي”. إنه الممر المائي الوحيد الذي يربط منتجي النفط في الخليج العربي بالأسواق العالمية في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. ومن الناحية الجيوسياسية، تبرز أهمية المضيق بسبب موقعه الاستراتيجي الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان، ويشكل عنق الزجاجة عند مدخل الخليج، كما يعتبر المنفذ البحري الوحيد لبعض الدول المطلة عليه، مما يمنحه ثقلاً سياسياً وأمنياً بالغ الحساسية. ويمثل هذا الممر البحري الحيوي حوالي ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم، وهو شريان رئيسي لتصدير نفط دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران، إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية. ويمر عبره يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات، أي ما يعادل حوالي 20% إلى 25% من إجمالي الاستهلاك العالمي للنفط، بالإضافة إلى حوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، معظمها من قطر، حيث تتجه أكثر من 80% من هذه الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وفي هذا السياق، صرّح القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني، العميد علي رضا تنجسيري، بأن إيران “قادرة على تعطيل المرور في المضيق، لكنها تختار عدم القيام بذلك”. وتستخدم إيران التهديد بإغلاق المضيق كأداة ردع استراتيجية في مواجهة العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية والتهديدات المحتملة بضرب منشآتها النووية. وتتلخص رسالتها في معادلة واضحة: “إذا لم نتمكن من تصدير نفطنا، فلن يتمكن الآخرون من تصدير نفطهم”.
ويقول ناجي: “تاريخياً، لم تُقدم إيران على إغلاق المضيق بشكل كامل ومستمر. وخلال حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، تعرّضت ناقلات النفط لهجمات متبادلة، ما أدى إلى تدخل دولي لحماية الملاحة، إلا أن الممر بقي مفتوحاً من الناحية التقنية والعملية”.
أما عن الأدوات التي تمتلكها إيران للضغط عبر المضيق، فهي، بحسب ناجي، عديدة ومتنوعة. فالساحل الإيراني يطل على المضيق لمسافة تزيد على 100 ميل بحري، وتمتلك طهران ترسانة كبيرة من الصواريخ البحرية والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والأنظمة الدفاعية والجوية، التي تمكّنها من تهديد السفن المارة. كما يمكن لهجمات محدودة ومدروسة أن تؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة مؤقتاً، فضلاً عن قدراتها في مجال الحرب الإلكترونية التي قد تستهدف أنظمة الملاحة وتحديد المواقع (GPS)، مما يدفع شركات الشحن تلقائياً إلى وقف المرور نتيجة ارتفاع المخاطر وتكاليف التأمين.
وفي هذا الإطار، حذّر بنك “غولدمان ساكس” من مخاطر تهدد إمدادات الطاقة العالمية في ظل تصاعد القلق من احتمال تعرّض مضيق هرمز لاضطرابات، قد تؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال. فأي توتر جدي في المنطقة ينعكس فوراً على الأسعار من خلال ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر”. وفي حال الإغلاق الفعلي، يتوقع محللون قفزة تاريخية قد تتجاوز 120 إلى 150 دولاراً للبرميل، وربما تصل إلى مستويات كارثية إذا طال أمد الانقطاع.
ولمواجهة مثل هذه السيناريوهات، يشير ناجي الى ان الدول الكبرى تعتمد على المخزونات الاستراتيجية التي تكفي لعدة أشهر، كما تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة. غير أن بعض الدول، مثل لبنان، تعاني ، كما يقول ماجي، من ضعف شديد في مخزوناتها، حيث تتراوح في حدّها الأدنى بين 15 يوماً وشهرين، وفق المعطيات التالية:
مخزون المواد الغذائية يكفي بين 3 و4 أشهر.
قطاع الصناعات الغذائية قادر على الاستمرار بالإنتاج لنحو ثلاثة أشهر ضمن الإمكانات الحالية.
مخزون لحوم الأبقار الحية يكفي لحوالي 3 أشهر.
مخزون القمح لدى المطاحن يكفي لإنتاج الخبز لمدة شهر ونصف الشهر إلى شهرين.
قطاع الدواجن قادر على الاستمرار بالإنتاج لمدة شهرين إلى شهرين ونصف الشهر ، تبعاً لمخزون الأعلاف.
مخزون البنزين والمازوت يكفي ما بين 25 يوماً وشهر.
مخزون الغاز المنزلي يكفي لشهرين.
ومن جهة أخرى، تمتلك بعض دول الخليج بدائل جزئية تقلّل من آثار إغلاق المضيق. فالسعودية، بحسب ناجي، تعتمد على خط أنابيب “شرق–غرب” الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة نقل تتراوح بين 5 و7 ملايين برميل يومياً. أما الإمارات فتتمتع كن جهتها بوضع أفضل نسبياً بفضل خط أنابيب أبوظبي–الفجيرة، الذي بدأ العمل به عام 2012 بطاقة تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، ويقع ميناء الفجيرة على خليج عُمان خارج نطاق الخليج العربي، مما يتيح تصدير نحو 75% من الإنتاج الإماراتي عند الضرورة. أما العراق، فيعتمد جزئياً على التصدير عبر ميناء جيهان التركي، لكنه غير كافٍ لتعويض خسارة المضيق.
ومع ذلك، تبقى هذه البدائل كما يقول ناجي، محدودة ولا تغطي سوى جزء بسيط من الكميات التي تمر عبر هرمز، مما يعني أن أي إغلاق سيسبب عجزاً عالمياً كبيراً يصعب تعويضه بسرعة.
الى ذلك، تعدّ الصين أكبر مستورد للنفط عبر المضيق، حيث تستورد نحو 5 ملايين برميل يومياً. لذلك، يشكّل استقرار هرمز ، كما يؤكد ناجي، مسألة أمن قومي لبكين. وعلى الرغم من علاقاتها الجيدة مع طهران، فإن أي إغلاق سيُلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الصيني، مما يجعل الصين تمارس ضغوطاً غير مباشرة لمنع إيران من اتخاذ هذه الخطوة.
وعلى الصعيد الدولي، يعدّ إغلاق المضيق خطاً أحمر بالنسبة للولايات المتحدة والقوى الكبرى. فأي محاولة فعلية لإغلاقه ستؤدي، وفق قراءة ناجي، على الأرجح إلى مواجهة عسكرية مباشرة تقودها تحالفات دولية لتأمين الملاحة، لأن الاقتصاد العالمي لا يمكنه تحمّل توقف هذا الشريان الحيوي لأكثر من أيام معدودة.
ويرى الخبراء أن إغلاق مضيق هرمز بالنسبة لإيران يُعدّ أداة ردع أكثر منه خياراً عملياً. فقد تتمكن طهران من تعطيله مؤقتاً، لكن الغالبية تثق بقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على إعادة فتحه سريعاً باستخدام الوسائل العسكرية والتقنية.
وعليه، يُعتبر المضيق سلاحاً ذا حدّين يقول ناجي: فهو فعال جداً كأداة تهديد وابتزاز سياسي، لكنه في حال استخدامه فعلياً كوسيلة إغلاق شامل سيؤدي إلى انتحار اقتصادي لإيران نفسها، التي تعتمد على المضيق لتصدير نفطها واستيراد سلعها، كما سيحول حلفاءها، وعلى رأسهم الصين، إلى خصوم، ويستدعي رداً دولياً حاسماً.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن الدول العربية والآسيوية والعالم بأسره ستتكبد خسائر فادحة في حال أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز.
وخلاصة القول، إن الجميع خاسرون من إغلاق مضيق هرمز، سواء إيران أو دول الخليج أو القوى الكبرى أو الاقتصاد العالمي. ومن المرجّح، وفق التقديرات الواقعية، أن هذا الإغلاق لن يحدث فعلياً، حفاظاً على الاستقرار الهش للاقتصاد العالمي وتفادياً لانزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة ذات كلفة غير مسبوقة.