ناقوس مالي خطير... هل تُقفل الحكومة باب الدولار؟

“ليبانون ديبايت”- باسمة عطوي

ليس جديدا أن ترتفع كلفة الإنفاق اليومي على الحكومة ومصرف لبنان خلال الحرب، فهذا الأمر تم إختباره خلال العدوان الإسرائيلي في 2006 و2024. لكن المشهد بات أكثر خطورة في حرب ال2026 بسبب الإنهيار المالي (وهذا لم يكن موجودا في 2006)، والضغط على الدولار بسبب ضآلة المساعدات الدولية للحكومة لتغطية كلفة النزوح (تلقى لبنان في حرب 2024 ما يقارب مليار دولار مساعدات دولية).

في الحرب الحالية الدولة اللبنانية عاجزة عن تسديد مستحقاتها، والمثال على ذلك التأخر في تسديد ثمن الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان، والدولارات المتبقية لدى مصرف لبنان تُستخدم بمعظمها من الإحتياطات المرتبطة بأموال المودعين. وهنا يبرز السؤال الأساسي: ما العمل؟

الجواب، بحسب الخبراء، يكمن في إتخاذ إجراءات إستثنائية تتناسب مع الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، ولو بشكل مؤقت، من أجل عبور المرحلة الأصعب بأقل الخسائر الممكنة. ومن بين الطروحات اليوم تقنين بعض الإستيراد غير الأساسي، ضبط التحويلات إلى الخارج لفترة مُحددة، وترتيب الأولويات المالية بما يحفظ الحد الأدنى من الإستقرار النقدي، بمعنى آخر فرض قانون كابيتال كونترول على خروج الدولار من لبنان، علما أن عدم إتخاذ قرارات مبكرة لفرض هذا القانون بين عامي 2019 و2020 ، ساهم في تفاقم الأزمة وإستنزاف ما تبقى من إحتياطات.

لماذا يبدو هذا الطرح جديرا بالنقاش اليوم؟ الجواب هو لأن لبنان يستورد نحو 85 بالمئة من حاجاته الأساسية، ومع شح الدولار لم يعد ممكناً الإستمرار بالوتيرة نفسها وكأن شيئاً لم يتغير. لذلك يطرح البعض ضرورة تأجيل الإستيراد غير الضروري، والتركيز على المواد الأساسية فقط. كما يشير أصحاب هذا الرأي إلى أنّ دولاً عديدة، بينها دول خليجية، إضافة إلى مصر وتركيا، لجأت إلى إجراءات لحماية إحتياطاتها بالدولار، ومراقبة السيولة والتحويلات المالية، ولو أنّ ظروف تلك الدول تختلف عن الحالة اللبنانية.

أما اليوم، ومع إحتمال إستمرار الحرب وتعقّد الأوضاع أكثر، فإنّ التحذيرات تتزايد على لبنان من أنّ التأخير في إتخاذ قرارات جدية قد يقود إلى إنهيار أشمل يطال الجميع، وليس فقط القطاع المالي أو النقدي. فالمسألة، بالنسبة إلى كثيرين، لم تعد مجرد توقعات، بل تحذير واضح قبل الوصول إلى مرحلة يصعب إحتواؤها.

موسى: النزوح والوضع الإستثنائي يمنع إقرار كابيتال كونترول

يشرح الباحث وأستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور محمد موسى لـ”ليبانون ديبايت”، أن “وضع المالية العامة في لبنان غير مستقر وهو ليس أمرا جديدا، بل بدأ منذ العام 2015 وتجلى بشكل أوضح في 2019 مع الإنهيار المالي. والإستقرار في الإحتياطات المصرف المركزي اليوم يعود إلى أنه الإحتياط الإلزامي لأموال المودعين، وهذه الحقائق المثبتة هي أن 11-12 مليار الموجودين داخل المركزي هي أموال المودعين من الاحتياطي الإلزامي. وبالتالي الإنفاق اليوم هو إنفاق مستمر على قاعدة إنفاق أموال المودعين للأسف، وكل إنفاق لهذا المال هو تبديد لأموالهم وهم الأحق بها”.

يضيف: “منذ حرب الإسناد الأولى وحتى اليوم هناك ضغط حقيقي على المالية العامة، ومن الجيد أن الحكومة لا تُمنح سلف للخزينة ولا تقترض من مصرف لبنان. لكن اليوم هناك حوالي مليون نازح وإذا إضطرت الحكومة على تغطية أكلاف النزوح وحدها ومن دون مساعدات خارجية ومع إستمرار الحرب لشهور قادمة كيف سيكون حال مالية الدولة؟ هذا سؤال كبير تجيب عنه الأيام القادمة، خاصة أنه في الفترة الأخيرة التحويلات من المغتربين تتقلص لأن أوضاعهم في الخليج وأوروبا غير مريحة، ونحن نعرف أنها الأيد الخفية التي تُساند الإستقرار المالي في لبنان”.

يلفت موسى إلى أن “نسب النمو تقلصت وإنكماش الإقتصاد اللبناني، سجّل ما يفوق السبعة بالمئة بحسب وزير المالية والأرقام لا تبشر الكثير بالخير. وإذا إستمرت الحرب فالموسم السياحي الذي يُدخل مليارات الدولارات إلى ميزان المدفوعات وإلى الحساب الجاري والإحتياطي مُهدد، وإذا لم يأتي المغتربون إلى لبنان هذا الصيف، حكما لن يدخل إلى البلد نحو 4 مليار دولار من القطاع السياحي، وبالتالي نحن أمام مزيد من الضغط على العملة اللبنانية وعلى الحكومة،وعلى القطاعات الانتاجية والتي قد يؤدي إلى إفلاس العديد منها في ظل الوضع الإقليمي المُحيط بنا”.

يرى موسى أنه “أن الأمور أكثر تعقيدا بالنسبة إلى إمكانية تطبيق إجراءات لتقليص خروج الدولار من لبنان، على غرار ما حصل في مصر وتركيا ودول الخليج مثلا، فهذه الدول لا تُعاني من مشاكل على مستوى القطاع المصرفي أو نزوح مليون لبناني لا تستطيع الدولة التخلي عنهم”، مُشددا أنه “على الدولة اللبنانية السعي لوقف إطلاق النار بكل الطرق القادرة عليها وإعادة النازحين، والعمل للحصول على هبات مع صندوق النقد مع البنك الدولي والمانحين، لتغطية كلفة النزوح التي لا تقل على 300 مليون دولار شهريا، وإذا لم يكن هناك مُساعدات ولا هبات سيكون هناك المزيد من الضغط على هذه الاحتياطات وعلى مصرف لبنان” .

ويوضّح أن “المركزي قادر على إصدار تعميم لضبط حركة خروج الدولار من لبنان، ولكن لن يشرّع مجلس النواب قانون لوقف تمويل الحكومة لكلفة النزوح لأنه خطوة غير شعبية. التحدي الأبرز أمام الحكومة اليوم هي بكيفية العمل على معالجة أزمة النزوح الضاغطة، وعليها السعي مع المانحين الدوليين ومع القادة الدوليين لوقف هذه الحرب لتخفيف هذا المصروف الهائل عليها”.

ويختم:”لو كنا بظرف طبيعي قد نذهب إلى هكذا إجراءات لكن لبنان يعيش دائما في ظرف إستثنائي، هناك مليون نازح لبناني خارج بيوتهم والعدو الإسرائيلي مستمر بالعدوان وهدم القرى والمنازل. هناك ضغط على الناس والحكومة والأخطر ان موجات النزوح تتوسع والكلفة على الحكومة تزيد، ويزيد معها الضغط على المالية العامة”.