بنك عوده: أداء الاقتصاد في السنة الأولى من الولاية الرئاسية الجديدة في التقرير الاقتصادي الفصلي

صدر التقرير الاقتصادي لبنك عوده عن العام 2025 تحت عنوان: “النتائج الاقتصادية بالأرقام للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد”. وأشار التقرير إلى أنَّ الاضطراب السياسي الذي شهده لبنان في مطلع العام 2025، كان له تأثيرات اقتصادية ومالية ملحوظة، مما أدى إلى تغييرات كبيرة في الاتجاهات الاقتصادية على مختلف المستويات. ويمكن إجمال الإنجازات الاقتصادية الكلية للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد في النقاط التالية:

فيما يتعلق بالاقتصاد الحقيقي، يقدر النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% في العام 2025، بعد الانكماش الكبير الذي شهده العام 2024 نتيجة لتداعيات الحرب. وبسبب التحسن في الطلب على السلع الاستهلاكية والاستثمارية، ارتفعت الواردات بشكل اسمي بنسبة 12% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، مما أدى إلى نمو حقيقي في الواردات بنسبة 6.7% على أساس سنوي بعد تعديل التضخم المستورد.

وفي الوقت نفسه، سجل ميزان المدفوعات فائضاً حقيقياً بقيمة 3 مليار دولار خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من العام 2025، وهو ناتج عن الزيادة في الموجودات الخارجية الصافية لدى القطاع المالي بعد استبعاد الارتفاع في سعر الذهب. ويعكس هذا الفائض البالغ 3 مليار دولار التأثير الصافي لتدفقات الأموال الداخلة إلى لبنان مقابل التدفقات الخارجة منه.

ارتفعت احتياطيات مصرف لبنان السائلة بالعملات الأجنبية بحوالي 2 مليار دولار منذ بداية العام لتصل إلى ما يقرب من 12 مليار دولار حالياً. ويعزى ذلك إلى تدخل مصرف لبنان في سوق الصرف، حيث قام بشراء فوائض تداول الليرة اللبنانية من السوق، مع الأخذ في الاعتبار الجزء من الزيادة في احتياطيات النقد الأجنبي الناتج عن الفوائد المحققة على الاحتياطيات المودعة في الخارج، وتأثير ارتفاع سعر صرف اليورو مقابل الدولار على قيمة الاحتياطيات المحتفظ بها باليورو. وفي الوقت نفسه، وصلت احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان إلى مستوى قياسي غير مسبوق تجاوز الـ 40 مليار دولار، مما يشكل زيادة ملحوظة قدرها 16 مليار دولار منذ بداية العام، أي بنمو نسبته 67%.

بالإضافة إلى ذلك، زادت الودائع النقدية (الفريش) بالعملات الأجنبية بقيمة 1.3 مليار دولار خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من العام 2025 لتصل إلى ما يقرب من 4.5 مليار دولار في نهاية تشرين الثاني، أي بنمو نسبته 40%. ويعزى هذا النمو الكبير إلى عودة الأوضاع السياسية إلى مسارها الطبيعي نسبياً، مما ترك تداعيات اقتصادية ونقدية ومالية إيجابية، علماً أن تقدماً أكبر يمكن أن يتحقق في حال إقرار “قانون للفجوة المالية” الذي طال انتظاره.

علاوة على ذلك، زادت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية أكثر من الضعف خلال العام 2025، من 12.75 سنت للدولار في بداية العام إلى حوالي 28 سنت اليوم، علماً أن الأسعار كانت في حدود 6 سنت للدولار خلال الحرب التي اندلعت في أيلول 2024. وتأتي هذه القفزة في أسعار سندات اليوروبوندز نتيجة لتزايد الطلب من قبل المستثمرين المؤسساتيين الأجانب الذين يراهنون على المسار الاصلاحي في لبنان وتأثيره على عملية إعادة هيكلة الدين بشكل عام.

وعلى صعيد الأداء المالي، من المرجح أن تكون المالية العامة في لبنان قد حققت فائضاً صافياً قيمته 1 مليار دولار خلال العام 2025، وهو ما يتجاوز بشكل كبير “الصفر عجز” المستهدف في موازنة العام. وفي الواقع، تجاوزت الإيرادات العامة الحجم المستهدف في الموازنة بنسبة 21% لتصل إلى أكثر من 6 مليارات دولار أمريكي.

في ختام التقرير، تناول بنك عوده في البحث آفاق العام 2026 في ظل استمرار التحديات الأمنية، والاختلالات المالية ومآل المسار الإصلاحي.

لقد اعتمد التقرير في واقع الأمر على ثلاث سيناريوهات للعام 2026: السيناريو الإيجابي مع احتمال تحقق بنسبة 45%، والسيناريو الوسطي مع احتمال تحقق بنسبة 35%، والسيناريو السلبي مع احتمال تحقق بنسبة 20%.

يفترض السيناريو الإيجابي استمرار الاستقرار الأمني خلال العام 2026، والذي يأتي مدعوماً بمآل لإعادة إعمار واسعة النطاق، وتدفق لافت للأموال الأجنبية، والمصادقة على قانون للفجوة المالية. كذلك، يفترض هذا السيناريو التوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، ما من شأنه أن يفضي إلى تحقيق نهوض اقتصادي ملحوظ.

أما السيناريو الوسطي فيفترض استمرار الاستقرار الأمني خلال العام 2026 بينما ستكون مآل إعادة الإعمار محدودة مع استمرار المناكفات السياسية على الساحة المحلية. ويفترض هذا السيناريو عدم تطبيق إصلاحات لافتة وعدم التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ما سيؤدي إلى تحقيق نهوض متواضع نسبياً.

وعلى صعيد السيناريو السلبي، فإنه يفترض حدوث انزلاقات أمنية، وتجاذبات سياسية حادة، وغياب للتدفقات الأجنبية اللافتة. ويفترض عدم حصول أي اصلاحات وعدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ما سيفضي إلى تدهور اقتصادي لافت.

في حال تحقق السيناريو الإيجابي، ستزدهر الأوضاع الاقتصادية، مع ما يحمل ذلك من تداعيات نقدية ومالية مؤاتية. في الواقع، من الممكن أن يبلغ النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي 8.0%، وسيسجّل ميزان المدفوعات فائضاً حقيقياً يتجاوز الـ6 مليار دولار، وستبقى نسب التضخم مضبوطة، كما ستنمو إحتياطيات مصرف لبنان من النقد الأجنبي بنسبة 40% على أقل تقدير، وستسجّل المالية العامة فائضاً بأكثر من 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وستكسر أسعار سندات اليوروبوندز حاجز الـ30 سنت صعوداً، وستسجّل الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي نمواً لافتاً.

أما في حال تحقق السيناريو الوسطي، فستتجمد الأوضاع الاقتصادية حيث سيقتصر النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي على 3%، ومن الممكن أن يسجّل ميزان المدفوعات فائضاً حقيقياً بسيطاً بقيمة 1.5 مليار دولار، وسترتفع إحتياطيات مصرف لبنان من النقد الأجنبي يشكل طفيف، وستشهد المالية العامة توازناً بين المصروفات والإيرادات، وستتراوح أسعار سندات اليوروبوندز حول 25 سنت، بينما ستشهد الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي نمواً لا يذكر.

وفي حال السيناريو السلبي، ستتدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل لافت، حيث سيسجّل الاقتصاد الحقيقي نمواً سلبياً، وسيعود ميزان المدفوعات ليسجّل عجوزات، وستنخفض إحتياطيات مصرف لبنان من النقد الأجنبي، مروراً بتسجيل عجز في وضع المالية العامة، وبلوغ التضخم مستويات مرتفعة، بينما ستتراجع أسعار سندات اليوروبوندز إلى ما دون 20 سنت، وستشهد الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي انكماشاً صافياً.

نظراً لهذه التباينات اللافتة بين محصّلات السيناريوهات الثلاث، يأمل اللبنانيون بأن يلتزم السياسيون بسلوك تسووي يمكن البناء عليه بشكل منتج، وأن يشرع واضعو السياسات في المضي في المسار الإصلاحي المأمول، وأن يبدي المجتمع الدولي استعداده لتقديم الدعم الملحّ من أجل تحقيق النهوض والتعافي الداخلي المنشود بشكل عام.