
ذكر موقع “إرم نيوز”: في خريف عام 2025، أدرك القادة الأوروبيون حقيقة مقلقة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وهي أن القارة الأوروبية لا تواجه مجرد انكماش اقتصادي مؤقت أو أزمة سياسية عابرة، بل تقف على أعتاب تحول وجودي عميق قد يغير شكل مستقبلها بالكامل.
إن عقوداً من الاعتماد على رأس المال السياسي والاقتصادي الموروث من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد خلقت وهماً بالاستقرار الذاتي، لكن هذا الوهم تلاشى تماماً مع اقتراب عام 2026.
لطالما شكل التحالف الفرنسي الألماني حجر الزاوية في التكامل الأوروبي منذ تأسيس “الجماعة الأوروبية للفحم والصلب” في الخمسينيات. ومع ذلك، يمر هذا المحور الآن بأسوأ أزمة له منذ عقود.
في باريس، خصصت ميزانية 2026 مبلغ 6.7 مليار يورو للدفاع، بزيادة استثمارية قدرها 3.5 مليار يورو عن التخصيصات السابقة لتحديث القوات المسلحة وسد الثغرات في مخزون الذخيرة والطائرات المسيرة وقدرات الحرب الإلكترونية.
لكن هذه الزيادة، على الرغم من ضرورتها، تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد الفرنسي من قيود مالية خانقة حدت من دور باريس ليقتصر على التعبير عن رؤى كبرى لأوروبا دون امتلاك الموارد لتنفيذها.
الأزمة السياسية الفرنسية غير المسبوقة، مع الجمود الحكومي المتكرر وصعود اليمين المتطرف بقيادة حزب “التجمع الوطني”، تعني أن فرنسا عالقة في فوضى مؤسسية تجعل من الصعب عليها الحفاظ على مصداقيتها وتأثيرها الدبلوماسي. من الصعب تصديق أن الدبلوماسية الأوروبية ستستمر كالمعتاد في ظل هذه الاضطرابات.
على الجانب الآخر من نهر الراين، تشهد ألمانيا تحولاً استراتيجياً عميقاً وغير مسبوق. بعد عقود من التحفظ العسكري الشديد والانضباط المالي الصارم الذي حول “الفرملة السوداء” إلى مبدأ دستوري، والاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة للحصول على ضمانات أمنية، تتخلى ألمانيا الآن عن موقفها الدفاعي الذي اتخذته منذ نهاية الحرب الباردة.
في غضون أسابيع قليلة، قلبت برلين معتقداتها الدستورية واحتضنت دوراً قيادياً كانت ترفضه بشدة طوال عقود. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التحول إلى سياسات مستدامة، خاصة مع المشهد السياسي المجزأ الذي كشفت عنه الانتخابات الفيدرالية الأخيرة.
في السنوات الأخيرة، اكتسبت الحركات والأحزاب القومية اليمينية المتطرفة ثقلاً سياسياً غير مسبوق في جميع أنحاء القارة. في فرنسا، يواصل “التجمع الوطني” تقدمه في استطلاعات الرأي. في ألمانيا، أصبح حزب “البديل من أجل ألمانيا” قوة لا يمكن تجاهلها على الرغم من محاولات عزله سياسياً.
أما في هولندا وإيطاليا، فقد دخلت أحزاب يمينية متطرفة أو شعبوية في الحكومات أو أصبحت قريبة جداً منها. وفي شرق أوروبا، من بولندا إلى المجر، تتعزز سيطرة الحكومات التي تضع السيادة الوطنية فوق كل اعتبار.
إن ما يجمع هذه الأحزاب والحركات ليس مجرد الخطاب الشعبوي أو كراهية الأجانب، بل رؤية جذرية مختلفة لمستقبل أوروبا: التأكيد على السيادة الوطنية المطلقة، والإصرار على الحفاظ على صنع القرار بالإجماع الذي يمنح كل دولة حق النقض (“الفيتو”)، ومبدأ أن القانون الوطني يجب أن يكون له الأسبقية على القانون الأوروبي. هذه الرؤية تتعارض بشكل جوهري مع منطق التكامل العميق الذي قام عليه الاتحاد الأوروبي.
من الناحية السياسية، تتصدر الأحزاب اليمينية الشعبوية، غالباً بتعاطف واضح أو مستتر مع روسيا، استطلاعات الرأي في عام حافل بالانتخابات الكبرى في جميع أنحاء القارة.
اقتصادياً، تجد الحكومات نفسها مقيدة بالنمو البطيء والتضخم المستمر وعدم اليقين في إمدادات الطاقة. عسكرياً، معظم الدول الأوروبية في بداية برامج إعادة التسلح فقط، بعد عقود من التقشف الدفاعي الذي ترك جيوشها ضعيفة ومتهالكة.
بينما يتحدث السياسيون الأوروبيون عن “السيادة الاستراتيجية” و”الاستقلالية”، تروي الأرقام الاقتصادية قصة مختلفة تماماً. وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي لعام 2026، من المتوقع أن يسجل الاتحاد الأوروبي معدل نمو بين 1.2% و1.5% فقط، بينما يستمر التضخم في التحليق بين 2.8% و3.2% في معظم دول منطقة اليورو.
تبقى البطالة عند متوسط 6.5%، لكن هذا الرقم يخفي تفاوتاً كبيراً بين الشمال والجنوب: في إسبانيا تصل إلى 12%، بينما في ألمانيا تبقى عند 3.5%.
الصورة الأوسع أكثر قتامة. الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي يبلغ حوالي 17.2 تريليون دولار بنمو ضئيل، مقارنة بـ 28.7 تريليون دولار للولايات المتحدة بنمو 2.4%، و 19.4 تريليون دولار للصين بنمو 4.8%. الفجوة تتسع بشكل مقلق: حصة أوروبا من الاقتصاد العالمي تراجعت من 22% في عام 2010 إلى أقل من 15% في عام 2025. في الوقت الذي تركض فيه أمريكا والصين، تمشي أوروبا بخطوات مترددة.
كذلك تلقي أزمة الديون السيادية بظلالها الثقيلة على أي محاولة لزيادة الاستثمارات. إيطاليا تحمل نسبة دين إلى الناتج المحلي تبلغ 144%، فرنسا عند 111% بعد أن كسرت حاجز الـ 3% عجز ميزانية، إسبانيا عند 108%، وحتى ألمانيا التي كانت مثالاً للانضباط المالي تواجه ضغوطاً هائلة لزيادة الإنفاق الدفاعي مع الحفاظ على التزاماتها الدستورية بتوازن الميزانية.
أحد أكبر التحديات التي تواجهها أوروبا في عام 2026 هو تحديد موقعها في عالم متعدد الأقطاب ومتصارع بشكل متزايد. من جهة، الصين هي الشريك التجاري الأكبر لأوروبا والمصدر الرئيسي للتكنولوجيا الرخيصة والمكونات الحرجة، من الألواح الشمسية إلى بطاريات السيارات الكهربائية إلى مكونات الطائرات المسيرة. لكن الصين أيضاً منافس استراتيجي يغرق الأسواق الأوروبية بمنتجات مدعومة ويهدد بتدمير صناعات أوروبية كاملة.
من جهة أخرى، أصبحت العلاقة مع الولايات المتحدة، الحليف الأمني التقليدي، أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ. سياسات “أمريكا أولاً” وتهديدات بتقليص الالتزامات الدفاعية في حلف “الناتو” تجبر أوروبا على إعادة التفكير في افتراضاتها الأمنية الأساسية. الضغوط الأمريكية على أوروبا لفك ارتباطها بالصين تصطدم مع الواقع الاقتصادي الأوروبي المعقد.
بريطانيا، على الرغم من خروجها من الاتحاد الأوروبي، تظل لاعباً أمنياً مهماً في القارة. لكن دورها أصبح أكثر انتقائية وأقل قابلية للتنسيق المؤسسي. تركيا، الدولة العضو في “الناتو” والشريك المعقد، تلعب دوراً محورياً بين أوروبا والشرق الأوسط، وأصبحت قوة صاعدة في مجال الطائرات المسيرة العسكرية، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد للحسابات الأمنية الأوروبية.
اليوم، فقد مفهوم التكامل الأوروبي الكثير من زخمه وقبوله عبر مساحات واسعة من المجتمع وعالم الأعمال والطبقة السياسية. الجيل الذي عاش الحرب العالمية الثانية ورأى أوروبا الموحدة كضمانة ضد عودة الكارثة قد رحل تقريباً.
الجيل الجديد لا يتذكر الحدود المغلقة والحروب الأهلية، ويأخذ السلام والرخاء كأمر مسلم به. في هذا السياق، يمكن لأوروبا المؤسسية أن تتفكك من الداخل، في مواجهة طبقة سياسية لم تعد تعرف إلى أين يجب أن يؤدي اتحاد أوروبا، وفي مواجهة مجتمعات أوروبية لا تريد قبول أو لا تفهم تأثير سياسة القوة الخام والقومية الشعبوية على تماسكها.
في أي وقت منذ الخمسينيات لم تكن الديناميكية الطاردة أقوى وأكثر وضوحاً من الآن. بينما تعمل المؤسسات والعمليات الأوروبية كالمعتاد على السطح، تتآكل الأسس تحت الأقدام بشكل متسارع. “البريكست” كان مجرد أول علامة واضحة، لكنه قد لا يكون الأخيرة.
السؤال الذي يحدد مصير أوروبا في عام 2026 بسيط في صياغته ولكنه عميق ومعقد في إجابته: هل يمكن للقارة العجوز أن تتحول من إدارة الأزمات المتتالية بردود فعل متأخرة إلى بناء المستقبل بخطة واضحة ورؤية مشتركة، أم أنها ستستمر في التآكل البطيء من الداخل حتى تنهار الأسس تماماً وتتحول أوروبا الموحدة إلى مجرد ذكرى تاريخية؟