وكتبت هيام عيد في “الديار”: قد يكون السؤال الأساسي والمصيري المطروح، عشية إقرار الحكومة لمشروع قانون “الفجوة المالية”، يتعلق بقدرة هذا المشروع على أن يكون “الحل” العادل للأزمة المالية. فالنص الموزع على الوزراء يشير إلى استرداد كامل لودائع صغار المودعين التي تقل عن 100 ألف دولار، مقسطة على 4 سنوات، على أن يحصل الكبار منهم على القيمة ذاتها، وأن يتم تحويل القيمة المتبقية إلى سندات قابلة للتداول ومن دون أي اقتطاع منها، على أن تكون مدعومة بعائدات وأصول مصرف لبنان، أو ناتجة من بيع جزء منها على مدى 15 عامًا، وهذه الأصول تتضمن كما هو معروف ممتلكات “المركزي”، كالكازينو على سبيل المثال، وغيره من المؤسسات والعقارات التي تقدر بمليارات الدولارات. وفي قراءة أولية للمشروع، يقول الخبير والباحث في الجامعة الأميركية الدكتور محمد فحيلي لـ “الديار”، إن المشروع يكشف “نقاط الاحتكاك الحقيقية بين منطقين، سياسي داخلي يحاول إدارة الغضب الاجتماعي عبر صياغات تطمينية أو توزيع خسائر يرضي مراكز نفوذ بعينها، وتقني– قانوني يدفع باتجاه قواعد متعارف عليها دولياً في معالجة أزمات المصارف، وخصوصاً أن أي انحراف عنها يُحوّل القانون إلى وصفة نزاعات قضائية طويلة، ويفاقم انعدام الثقة ويُقفل الباب أمام أي برنامج تمويلي من صندوق النقد الدولي أو مسار استعادة الحد الأدنى من الوظيفة المصرفية”. ويؤكد الدكتور أنه “لا يمكن توزيع الخسائر من دون تحديد إذا كانت هناك مكاسب استثنائية، أو ممارسات غير سليمة ينبغي أخذها بالحسبان قبل تثبيت الخسارة النهائية، ذلك أن أي قانون يتجاهل هذه الزاوية، يطلب من المجتمع أن يصدّق رواية أحادية، بأن الجميع خسر بالتساوي، بينما الذاكرة العامة تقول العكس”. وعن دور وتأثير وضغط صندوق النقد الدولي في عملية توزيع الخسائر، يقول إن “السؤال الذي يجب أن يُطرح في لبنان، ليس عن كيفية إرضاء صندوق النقد، بل هل نكتب قانوناً لا يظلم الناس مرتين: مرة حين خسرت الودائع قيمتها، ومرة حين يُطلب من المودع أن يدفع قبل أن يدفع من استفاد ومن راكم المخاطر ومن أخفق في الحوكمة؟”. ويخلص فحيلي إلى الجزم بأنه “على الصيغة النهائية لقانون الفجوة المالية، أن تُكتب بلغة العدالة القابلة للدفاع، وبمنطق الاستدامة القابل للتحقق، وأن تكون واضحةً، لقطع الطريق على أي التباس، كيلا يتحول هذا القانون، إلى مجرد محطة جديدة في مسلسل توزيع الخسائر على المجتمع، خصوصاً وأن لبنان لم يعد يحتمل قوانين رمادية، بل قانوناً يضع قواعد واضحة لحقوق المودعين ومسؤوليات المساهمين والمصارف والدولة والمصرف المركزي”.
معالجة العجز المالي عبر المساس بالودائع
22 كانون الأول 2025
كتبت “نداء الوطن”: المسودة الأخيرة، التي أُعلنت في 20 كانون الأول، تعطي الأفضلية لصندوق النقد الدولي والدولة والحفاظ على أصول مصرف لبنان على حساب تعويض حقوق المودعين، الذين سيتحملون خسائر فادحة. يُعرض على المودعين من الفئتين المتوسطة والكبيرة “سندات قابلة للتداول” بشروط غير واضحة وبآجال طويلة. لقد فقد المودعون بالفعل مليارات الدولارات منذ بداية الأزمة، واليوم يتم تقديم تعويض لهم على شكل سندات لا يمكن تحديد قيمتها الحقيقية. وعلى الرغم من تطمينات رئيس الحكومة، فإن هؤلاء المودعين سيتعرضون فعليًا لاقتطاعات كبيرة من ودائعهم. يفرض صندوق النقد الدولي شروطه على لبنان، مما يؤدي إلى نقل الخسائر من الدولة ومصرف لبنان إلى المودعين. هذا الأسلوب غير قابل للاستمرار ويهدد بانهيار القطاع المصرفي بشكل كامل. بالإضافة إلى ذلك، فإن دين الدولة الذي لا يقل عن 16.5 مليار دولار لن يتم سداده، ليقع العبء في نهاية المطاف على المودعين. الانهيار في لبنان هو نتيجة عقود من سوء إدارة الدولة ومصرف لبنان، والسياسات المالية الخاطئة، وسوء استخدام الموارد العامة، وهو ما اعترف به رئيس الحكومة نواف سلام بقوله: “عشنا ست سنوات من الشلل وسوء إدارة الأزمة المالية، وهذا جزء كبير من المشكلة، وليس خطأ المصارف بل خطأ الدولة”. إلا أن مشروع القانون لا يعترف بالمسؤوليات بشكل عادل، ويتسم بطابع انتقامي تجاه المصارف، وفي النهاية يعاقب المودعين. على الدولة واجب قانوني وأخلاقي بإعادة رسملة مصرف لبنان ومعالجة الخسائر الناتجة عن سياساتها. يجب على الدولة ومصرف لبنان التوقف عن الخضوع لإملاءات صندوق النقد الدولي وتوفير الأموال اللازمة للوفاء بالتزاماتهما القانونية. يتحدث رئيس الحكومة عن استعادة حقوق الناس، لكن هذا المشروع ينتهك أبسط هذه الحقوق: المساءلة وتحمل المسؤولية. يجب على الدولة ومصرف لبنان استخدام الأصول العامة لتغطية التزامات المودعين، كما تفرض الأطر القانونية. غير أن الخطة الحالية تتجاهل هذا الخيار، وتحمي أصول الدولة ومصرف لبنان على حساب المودعين. إن وجود قطاع مصرفي قادر على الاستمرار هو شرط أساسي لإعادة تحريك الاقتصاد، وخلق فرص عمل، واستعادة الأمل. يقول رئيس الحكومة إن هذا القانون سيعيد “الاستقرار الاجتماعي”، ولكن إذا اختفت المصارف التجارية وتكبد المودعون خسائر فادحة، فلن تكون هناك ثقة ولا استقرار. على الدولة أن تلتزم بواجباتها المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف لإعادة بناء الثقة.
