وقد تم إرفاق الدعوة لحضور الجلسة بنسخة من مشروع قانون الانتظام المالي، والذي يقع في 14 صفحة. وفي هذا السياق، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام: “اننا لن نقدّم مسكّناً موقتاً لأزمةٍ دامت سنوات، فعلاج هذه الأزمة يحتاج إلى صدق ووضوح واستعداد لتحمل المسؤولية، واليوم نحن نبدأ مرحلة جديدة أساسها الشفافية وهدفها العدالة وأداتها قانون منصف وقابل للتنفيذ”. وأضاف مشيراً إلى أنه “بعد ستّ سنوات من الشلل والتآكل الصامت للودائع والتخبّط في إدارة الأزمة المالية وتدمير الطبقة الوسطى، نتقدم اليوم بأول إطار قانوني متكامل لاسترداد الودائع ومعالجة الفجوة المالية بطريقة منهجيّة ومنصفة من ضمن الامكانيّات المتوفرة”.
من جانبهم، أفاد خبراء ماليون “نداء الوطن”، بأن الأطراف المعنية قد بدأت بالفعل في دراسة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع وتحليله بشكل دقيق فور توزيعه، وذلك بهدف فهم جميع جوانبه وتفاصيله.
إلا أن الملاحظة الأولية تشير إلى أن الدولة لم تلتزم في هذا المشروع بأي التزام مالي واضح، على الرغم من كونها المسؤول الأول والأساسي عن ضياع الأموال. ففي الفقرة المخصصة لالتزامات الدولة في مشروع القانون، تمنح الدولة نفسها الحق في تحديد حجم دينها لمصرفها المركزي بالتوافق بينهما، مع التأكيد على ضرورة مراعاة مبدأ استدامة الدين. هذا الأمر يثير بعض المخاوف، إذ يمكن تفسيره بطرق متعددة وقد يسمح للدولة بالتنصل من التزاماتها بحجة استدامة الدين. وتتطرق الفقرة أيضاً إلى إمكانية أن يقرر مجلس الوزراء تقديم مساهمة إضافية في رأسمال مصرف لبنان وفق المادة 113 من قانون النقد والتسليف.
وبحسب المشروع، فإن ما قد تقدمه الدولة يعتبر “مساهمة طوعية”، وكأن المادة 113 من القانون هي مادة اختيارية A la carte، وهو ما يثير بعض القلق.
وفي سياق متصل، كتبت “الاخبار”: تلقّى الوزراء مساء أمس، مشروع قانون الفجوة المالية واسترداد الودائع الذي أعدّه الفريق الحكومي بعد إدراج التعديلات التي طلبها صندوق النقد الدولي بشكل شبه كامل. «الأخبار» حصلت على نسخة من المشروع الذي ينصّ على إجراءات واضحة ومحدّدة في التعامل مع الخسائر الحاصلة في القطاع المالي بالاستناد إلى المبادئ التي فرضها صندوق النقد الدولي بشكل أساسي في مسألة تراتبية توزيع الخسائر.
ووفقًا للمطّلعين، حرص معدّو المشروع على عدم الإشارة إلى تحميل المودعين أي خسائر بشكل مباشر، إلا أن الواقع يشير إلى أن الخسائر ستطالهم جميعًا بشكل أكبر مما كانت عليه في السنوات الماضية. وذلك لأنهم لن يتمكنوا من الحصول على أكثر من 100 ألف دولار، وسيتم تسديدها على أقساط على مدى أربع سنوات. أما الرصيد المتبقي من ودائعهم، فسيتم تحويله إلى سندات تستحق بعد 10 سنوات كحد أدنى. وبالطبع، هذا لا يشمل جميع الإجراءات الأخرى التي ستطالهم، ولكنه يكفي للإشارة إلى أن عملية الشطب ستؤثر عليهم بعد تصفية رؤوس أموال المصارف، إلا إذا تم إدخال أي مواد أو عبارات تسمح بتخفيف عملية التصفية.
تبدأ هذه الإجراءات بتقييم جودة أصول مصرف لبنان والمصارف بهدف احتساب الخسائر وتوزيعها. في البداية، ستطال الخسائر مساهمي المصارف ضمن حدود أموالهم الخاصة، ثم سيتحمل الدائنون الأعلى مرتبة الجزء المتبقي من الخسائر، بما في ذلك قروض المصارف لمصرف لبنان وسائر القروض الأخرى، وصولاً إلى المودعين. كما يفرض القانون إعادة رسملة المصارف وفقًا للمعايير الدولية (بازل-3)، وذلك في غضون مدة أقصاها خمس سنوات.
الخطوة التالية المحددة في نص المشروع بعد تقييم جودة أصول المصارف، هي إطلاق “إجراءات تنقية الأصول غير المنتظمة”. وتشمل هذه العملية شطبًا واسعًا لفئات من الحسابات المصرفية، بما في ذلك: تحويلات مالكي المصارف وكبار المسؤولين فيها والمكافآت وأنصبة الأرباح الموصوفة بأنها “مفرطة”؛ تحويلات الأشخاص المعرضين سياسيًا، إعادة الأرصدة التي زادت بالدولار بعد تاريخ 17/10/2019، سواء بسبب تجارة الشيكات المصرفية أو التحويل من ليرة إلى دولار وفق سعر صرف 1507 ليرات لكل دولار، على أساس متوسط أسعار صرف السنوات 2020 و 2021 و 2022 و 2023 والسعر الرائج حالياً؛ الفوائد المدفوعة مسبقاً على حسابات شاركت في الهندسات المالية والتي سيتمّ تحديد معدّلاتها من قبل مصرف لبنان؛ الحسابات المشتبه في هوية المستفيد الحقيقي منها والتي ستخضع للتدقيق إلى هيئة التحقيق الخاصة لتجميدها ومتابعتها عملاً بأحكام قانون تبييض الأموال؛ حسابات القروض التجارية التي تتجاوز 500 ألف دولار وسدّدت بالليرة وفق أسعار صرف متدنّية. وستتم “تنقية” هذه الأرصدة باستخدام أدوات عدّة، من أبرزها فرض غرامات بنسبة 30%.
بعد ذلك، تبدأ عملية تسديد الودائع وفق مفهوم الوديعة الواحدة في كل المصارف، والتي تنتج من جمع كل الحسابات العائدة إلى شخص واحد في كل المصارف، في حساب واحد يدفع منه أول 100 ألف دولار. وقد تم تقسيم الودائع إلى أربع شرائح: الودائع الصغيرة التي تقل قيمتها عن مئة ألف دولار تسدّد على أربع سنوات. الودائع المتوسطة التي تفوق 100 ألف دولار وتصل إلى غاية مليون دولار يُسدّد منها أول 100 ألف على أربع سنوات والباقي يسدّد بسندات. الودائع الكبيرة التي تفوق مليون دولار وتصل إلى 5 ملايين دولار يُسدّد منها أول 100 ألف دولار على أربع سنوات ثم يدفع الباقي سندات. الودائع الكبيرة جداً التي تفوق 5 ملايين دولار يسدّد منها أول 100 ألف دولار على أربع سنوات ويدفع الباقي سندات. هناك تصنيفات للسندات التي ستدفع ربطاً بكل شريحة وآجال استحقاق مختلفة.
وبحسب مشروع القانون، يتحمل مصرف لبنان والمصارف “بالمشاركة” كلفة التسديد النقدي للودائع، مع اشتراط أن تزيد حصّة مصرف لبنان عن 60% كحد أقصى من الدفعات النقدية. كما سيخلق المشروع آلية لتحديد التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان، أي مسألة الـ16.5 مليار دولار التي يقول مصرف لبنان إنه أقرضها للدولة لتمويل شحنات فيول للكهرباء، بينما ترى وزارة المال أنها ليست قروضًا بل عمليات تحويل من ليرة إلى دولار كان يفترض إغلاقها وتصفيتها قبل الانهيار. ولكن يبدو أن المشروع يميل إلى رأي مصرف لبنان الذي يطالب بإبقاء هذه الأموال في ميزانيته كأصول تصدر مقابل سندات دائمة على الدولة بفائدة تحدّد لاحقاً، على أن تقوم الدولة بواجبها المنصوص عنه في المادة 113 من قانون النقد والتسليف في رسملة مصرف لبنان إذا تطلّب الأمر.
