في الواقع، سبق للحكومة اللبنانية أن أعدّت عدة مسودات لمشاريع قوانين ذات صلة وأقرها مجلس النواب، ولكن فجأة ظهرت اعتراضات جذرية عليها من صندوق النقد الدولي. والمثال واضح في القوانين التي أُقرت بشأن تعديل السرية المصرفية والملاحظات المتكررة التي وردت من الصندوق بشأن تعديل التعديلات، ثم تكرر الأمر في مشروع قانون معالجة أوضاع البنوك، حيث أرسل الصندوق مؤخراً 28 ملاحظة على هذا القانون، وكأنه غير راضٍ عن التعديلات التي أُقرت سابقاً.
من الواضح أن لبنان ليس بمنأى عن الضغوط الخارجية، بل هو مكشوف تماماً أمام التدويل، وأنه لا يمكن إقرار قانون يتعلق بالقطاع المالي دون “تسوية ما” ذات طابع تقني مع صندوق النقد الدولي، وذات طابع مختلف مع المهيمنين عليه مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا أيضاً.
المشكلة في هذا الخيار هي أن الأولوية فيه ليست للمسألة المالية والمصرفية، بل هي أولوية يربطها الخارج بملف “السلاح”، وهذا ما يقال في الاجتماعات التقنية الضيقة بالإضافة إلى التصريحات العلنية التي تصدر عن الموفدين الأميركيين مثل “توم برّاك” و “مورغان أورتاغوس” والموفد الرئاسي الفرنسي “جاك دو لا جوجي” وغيره من المسؤولين الفرنسيين الذين تعاقبوا على الملف منذ الانهيار المصرفي والنقدي حتى اليوم، وصولاً إلى مسؤولي صندوق النقد الدولي المؤثرين، ولا سيما في المجلس التنفيذي والموظفين التقنيين وممثليهم في لبنان. ترتيب الأولويات هذا لا يعني أن الجميع متفقون على طريقة واحدة للمعالجة. فبينما يحاول الصندوق فرض تصفير رؤوس أموال البنوك وتحميلها الخسائر أولاً، قبل الوصول إلى خسائر المودعين، وقبل تحميل الدولة ومصرف لبنان العبء الأكبر منها، فإن الموفد الرئاسي الفرنسي “جاك دو لا جوجي” الذي زار قبل يومين عدداً من المسؤولين اللبنانيين، أبلغهم بضرورة “استمرارية القطاع المصرفي” وأضاف: “لا نريد إعدامه”.
وهو نفس المنطق الذي يتبناه حاكم مصرف لبنان “كريم سعيد” وأقنع فيه وزيرَي الاقتصاد “عامر البساط” والمال “ياسين جابر”، علماً أن البساط يُعتبر ممثلاً لرئيس الحكومة وأن جابر من أشد المؤيدين لعلاقة كاملة وغير مشروطة مع صندوق النقد الدولي.
الواقع اليوم، الذي يمكن استنتاجه من ملاحظات الصندوق، هو أن المسودة التي كانت الحكومة تنوي مناقشتها وإقرارها تمهيداً لإرسالها إلى مجلس النواب، تتعارض تماماً مع توجهات صندوق النقد الدولي. فهل غيّر الصندوق رأيه، أم أن قوى السلطة قررت تجاهل توجهات الصندوق ورسم توجهاتها الخاصة، معتبرة أن الصندوق لا يفهم “البيئة اللبنانية”؟ يحتاج مشروع قانون تنظيم القطاع المالي واسترداد الودائع إلى تعديلات جوهرية لضمان توافقه مع المبادئ الدولية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ولإدراج متطلبات التنفيذ الأساسية بشكل صريح. وتشمل هذه المبادئ زيادة حماية المودعين، واحترام ترتيب حقوق الدائنين، وضمان إعادة هيكلة شاملة ونهائية تشمل المصرف المركزي، مع الحفاظ على استدامة الدين السيادي.
وكتب صلاح سلام في “اللواء”: لا توجد مصلحة لأي طرف في لبنان، لا الدولة ولا المصارف ولا المودعين، في تحويل النقاش الدائر حول مشروع قانون الانتظام المصرفي، أو ما يعرف بقانون “الفجوة المالية”، إلى صراع سياسي أو مالي مفتوح.
فمثل هذه المواجهة، إذا حدثت، لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الانهيار، وتعميق القطيعة بين اللبنانيين ونظامهم المالي، وتقويض ما تبقى من فرص استعادة الثقة الداخلية والخارجية، وهي الثقة التي تمثل المدخل الإلزامي لأي مسار تعافٍ جدي. الحاجة الملحة اليوم ليست تسجيل النقاط بين الحكومة والمصارف، بل الإسراع في إقرار هذا القانون باعتباره حجر الزاوية في إعادة تنظيم القطاع المصرفي وتحديد الخسائر وتوزيعها وفق معايير عادلة وشفافة. فالقانون، بصيغته المتداولة، يفتح الباب أمام الإفراج عن أموال ما يقارب 80 في المئة من المودعين، وهم بمعظمهم من أصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة التي لا تتجاوز المئة ألف دولار، والذين تحملوا العبء الأكبر من الانهيار دون أي ذنب. كما يتيح لبقية المودعين، ولو على مراحل، الحصول على دفعات منتظمة من ودائعهم، بدلاً من إبقائهم أسرى الانتظار المفتوح والغموض القاتل.
