إذ قفز عدد الشيكات “الفريش” من حوالي 25,117 شيكًا في الأشهر العشرة الأولى من عام 2024 إلى ما يقارب 77,247 شيكًا في الفترة ذاتها من عام 2025، بالإضافة إلى ارتفاع مساهمتها في إجمالي نشاط المقاصة من حوالي 13.28% إلى أكثر من 55.29%. فما دلالة هذا الأمر؟
يوضح خبير المخاطر المصرفية والباحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور محمد فحيلي، عبر “لبنان 24” أن “ارتفاع عدد الشيكات الفريش خلال العام الحالي يعني أن جزءاً متزايداً من التعاملات الاقتصادية يعود اليوم إلى القنوات المصرفية الرسمية بدل أن يبقى أسير الاقتصاد النقدي (الكاش) غير المرصود”.
ويرى فحيلي أن “هذا التحوّل يكتسب أهمية خاصة في بلد يواجه ضغوطاً متزايدة على صعيد مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لأن توسّع استخدام الشيكات الفريش الخاضعة للرقابة والتوثيق يُعيد بعض القدرة للسلطات النقدية والرقابية على رؤية حركة الأموال وتتبعها، بدل أن تبقى خارج الرادار في صناديق المحال التجارية والخزنات المنزلية.”
ويضيف: “في المقابل تكشف التفاصيل البنيوية لهذه الأرقام عن وجه آخر وهو تعمُّق الدولرة وترسّخ اقتصاد الفريش دولار. فعدد الشيكات الفريش بالدولار الأميركي ارتفع من نحو 17,425 شيكاً إلى حوالى 57,085 شيكاً في الفترة نفسها، وارتفعت قيمتها من حوالي 230.005 ملايين دولار إلى 771.22 مليون دولار، في حين أصبحت الشيكات المدوَّنة بالعملات الأجنبية تشكّل قرابة 73.90% من عدد الشيكات الفريش المصفّاة.”
ويلفت إلى أن “هذا الأمر يعني أن النشاط الاقتصادي القابل للقياس والذي يمر عبر النظام المصرفي يجري في معظمه بالدولار، في حين تستمر وظيفة الليرة اللبنانية في التقلّص تدريجياً كأداة دفع وحفظ قيمة، وتنحصر أكثر في التعاملات الصغيرة والفئات الأكثر هشاشة.”
ويرى فحيلي أن “هذه الصورة تؤدي إلى واقع اقتصاد ثنائي العملة أي طبقة من المعاملات المُمَأسسة، بالدولار الفريش، تمر عبر المصارف والمقاصة وتستفيد من قدر من الحماية والشفافية، مُقابل طبقة أخرى بالليرة والكاش، أقل تنظيماً وأكثر عرضة للتآكل مع كل موجة تضخّم جديدة”، مضيفا: “النتيجة النهائية هي تضييق هامش السياسة النقدية بالليرة، وتعقيد مهمة أي خطة تعافٍ جديّة، لأن إعادة بناء الثقة بالنظام المالي ستتطلّب ليس فقط زيادة التعامل عبر القنوات الرسمية، بل أيضاً إعادة تعريف موقع الليرة ودورها في اقتصاد جرى فكّ ارتباطه بها فعلياُ من خلال هذه الأرقام نفسها.”
ويقول فحيلي: “في ضوء ذلك، يبدو مصرف لبنان عالقًا بين واجبين متناقضين: من جهة، الحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار النقدي وتشغيل النظام المصرفي عبر أدوات من بينها التعميم 165 الذي صدر في نيسان 2023 ومحاولة لجم اقتصاد الكاش؛ ومن جهة أخرى، عدم الاستمرار في لعب دور المموِّل الأخير لفشل الطبقة السياسية”. ويتابع:”هنا يصبح السؤال مشروعاً هل يمارس المصرف المركزي فعلاً سياسة نقدية مستقلّة تُحفِّز الإصلاح وتفرض كلفته السياسية، أم أن استمرار هذه الهندسة المؤقتة لا يفعل سوى تعميق اقتصاد الدولرة ورفع كلفة التصحيح عندما يحين أوانه؟
ويشدد فحيلي ختاما على أن “أولويات مصرف لبنان الفعلية اليوم تتمحور حول ضبط سعر الصرف، وتقييد الاقتصاد النقدي، وتنظيم المشهد المصرفي والصرّافي بما يكفي لتقديم صورة نظام مالي منضبط للخارج، ولو جاء ذلك على حساب شفافية الكلفة الفعلية التي يدفعها المودعون والاقتصاد الحقيقي.”
وعليه، فقد شهد عام 2025 تحسنًا ملحوظًا في القطاع الاقتصادي والمالي على أمل أن يشهد عام 2026 حلًا لأزمة الودائع والمودعين بعد طول انتظار.
