وفي هذا السياق، كشف المحلل السياسي البارز في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، بن كسبيت، في تقرير نشره موقع “المونيتور”، عن تحركات خفية يقودها نتنياهو من وراء الكواليس، في محاولة لعرقلة أو تقييد صفقات تسليح أمريكية متطورة محتملة لكل من السعودية وتركيا، دون الدخول في صراع علني مع الإدارة الأمريكية الحالية.
ووفقًا للتقرير، فإن نتنياهو، الذي لم يتردد في الماضي في الدخول في مواجهات سياسية علنية مع إدارات أمريكية لمنع صفقات أسلحة اعتبرها ضارة بأمن إسرائيل، يتعامل هذه المرة بحذر شديد مع الرئيس ترامب. وينقل كسبيت عن مصادر دبلوماسية إسرائيلية قولها إن نتنياهو يرى في أي مواجهة مباشرة مع ترامب مخاطرة تفوق في خطورتها الصفقة نفسها، وذلك بسبب أسلوب الرئيس الأمريكي المتقلب وحساسيته الشديدة تجاه الضغوط العلنية.
ويشير التقرير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اتخذ قرارًا استراتيجيًا واضحًا: تجنب المواجهة الإعلامية والسياسية المفتوحة، مقابل تفعيل قنوات ضغط خفية، تهدف إلى حماية “التفوّق العسكري النوعي” لإسرائيل في الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، عقد نتنياهو في 1 كانون الأول اجتماعًا سريًا في مكتبه في القدس مع فرانك سانت جون، المدير التنفيذي للعمليات في شركة “لوكهيد مارتن”، حيث تركز النقاش حول الطرق الممكنة لضمان استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي في حال مضت واشنطن قدمًا في تسليح دول أخرى في المنطقة بتقنيات متقدمة.
ووصف مطلعون على الاجتماع، وفقًا لكسبيت، اللقاء بأنه كان “طويلًا ومحبِطًا” بالنسبة للجانب الإسرائيلي، نظرًا لمحدودية أدوات التأثير المتاحة أمام تل أبيب، خاصة في ظل الدعم السياسي الذي يحظى به ترامب داخل إدارته وحزبه.
ويذكر التقرير أن الولايات المتحدة استبعدت تركيا من برنامج التسليح المتقدم خلال الولاية الأولى لترامب، بعد شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، إلا أن التقارب المتجدد بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يثير قلقًا بالغًا في إسرائيل من احتمال إعادة فتح هذا الملف. وتتعزز هذه المخاوف، بحسب التقرير، على خلفية تصريحات أردوغان العلنية التي لوح فيها باستخدام القوة ضد إسرائيل، مما يجعل أي تعزيز نوعي للقدرات العسكرية التركية مصدر تهديد مباشر من وجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، يشير كسبيت إلى أن ترامب أعطى إشارات إيجابية أولية لبحث صفقات تسليحية مع السعودية، حيث زارت وفود رفيعة من شركة “لوكهيد مارتن” الرياض في الأسابيع الأخيرة، مما يشير إلى تقدم المحادثات. ورغم أن إسرائيل تنظر بقلق إلى هذا المسار أيضًا، إلا أن التقرير يؤكد أن السيناريو التركي يبقى، في نظر تل أبيب، الأخطر والأكثر إلحاحًا.
وقبيل اللقاء المرتقب بين نتنياهو وترامب في 29 كانون الأول في منتجع مار-آ-لاغو، من المتوقع أن يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي نقل مخاوفه مباشرة إلى الرئيس الأمريكي، بعيدًا عن أي تصعيد إعلامي. كما تفيد المعلومات بأن نتنياهو فعّل شبكة ضغوط هادئة عبر شخصيات مقربة من ترامب، من بينهم جاريد كوشنر، ستيف ويتكوف، السفير الأميركي المعيّن لدى الأمم المتحدة مايك وولتز، إضافة إلى متبرعين جمهوريين نافذين.
ويخلص التقرير إلى أن جوهر القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بالصفقات في حد ذاتها، بل بالخصائص التكنولوجية المتقدمة للأسلحة المطروحة، ولا سيما القدرات الشبحية وأنظمة التحكم المستقلة، التي قد تتيح لأي طرف معادٍ الاقتراب من الأجواء الإسرائيلية دون إنذار مبكر كافٍ، وهو سيناريو تعتبره المؤسسة العسكرية الإسرائيلية “خطًا أحمر”.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يجد نتنياهو نفسه أمام تحدٍّ مزدوج: الدفاع عن المصالح الأمنية الإسرائيلية العليا، من جهة، والحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الرئيس الأميركي الحالي، من جهة أخرى، في مرحلة تتشابك فيها ملفات غزة وسوريا ولبنان وإيران مع سباق النفوذ والتسلح في المنطقة.
