تظهر دراسة حديثة أن معدل البطالة قفز من 11.4% في الفترة 2018-2019 إلى 29.6% في كانون الثاني 2022، بينما لم تتجاوز نسبة العاملين من إجمالي السكان 30.6%. في بلد يعاني من هذا القدر من الضعف، فإن أي صدمة إضافية، بما في ذلك الصدمة التكنولوجية، ستؤدي بسرعة إلى بطالة وهجرة جديدة.
في المقابل، يعتبر القطاع الرقمي اليوم واحداً من الجيوب القليلة التي تشهد نمواً. تشير الأرقام إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ساهم بنحو 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 (حوالي 1.1 مليار دولار)، مع وجود حوالي 550 شركة ناشطة. وكان من المتوقع أن يصل الأثر المباشر وغير المباشر للقطاع إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2025 إذا استمرت الظروف الطبيعية.
على الصعيد العالمي، يشير تقرير حديث صادر عن “الإسكوا” إلى أن 35% من الشركات حول العالم قد دمجت بالفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها بحلول نهاية عام 2024، بينما تفكر 42% أخرى في اعتمادها. في المنطقة العربية، تحذر دراسة مشتركة بين “الإسكوا” ومنظمة العمل الدولية من أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل ملايين الوظائف حتى عام 2040، ولكن نسبة الوظائف المعرضة لخطر الأتمتة الكاملة لا تتجاوز 2.2% من إجمالي التوظيف في الدول العربية (حوالي 1.2 مليون وظيفة)، بينما ستشهد الغالبية “تحولاً في المهام” بدلاً من الاختفاء الكامل.
هذا يعني أن الخطر الأكبر ليس في أن “تخطف الآلة الوظيفة”، بل في أن يبقى العامل اللبناني عالقاً في مهارات قديمة، بينما تتحول وظيفته من حوله إلى دور جديد يتطلب مهارات رقمية وتحليلية لا يمتلكها بعد.
بدأ لبنان، وإن كان متأخراً، محاولة تنظيم هذا التحول. أطلقت وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي خطة خمسية (LEAP) تتضمن هدفاً طموحاً: دخول نادي أفضل 50 دولة في مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي، والوصول إلى مرحلة تكون فيها 80% من الخدمات الحكومية مدعومة بأدوات ذكية خلال خمس سنوات. لكن هذه الرؤية لا تزال في بداياتها، ولم تُترجم بعد إلى برامج واسعة النطاق لإعادة تدريب العاملين في المهن التقليدية أو لحماية أولئك الذين سيتأثرون بشكل مباشر بالأتمتة.
عملياً، المهن الأكثر عرضة للتغيير في لبنان هي الوظائف الروتينية: الموظفون الإداريون، الكتبة، جزء من العاملين في المحاسبة، خدمة العملاء، المبيعات التقليدية، وبعض أعمال النقل والخدمات. تظهر الدراسات الإقليمية حول المهارات في العالم العربي أن أكثر المهارات المطلوبة في السوق اليوم لا تزال تقليدية (محاسبة، بيع، خدمة زبائن)، مع طلب ضعيف نسبياً على مهارات الثورة الصناعية الرابعة، مما يزيد من خطر البطالة الهيكلية إذا لم يصاحب انتشار الذكاء الاصطناعي سياسات واضحة لإعادة التأهيل.
في المقابل، تؤكد تقارير “الإسكوا” نفسها أن الذكاء الاصطناعي يتيح أيضاً فرصاً كبيرة: من تحسين الإنتاجية في الزراعة والصناعة والخدمات، إلى توفير وظائف جديدة في تطوير النظم الذكية، وتحليل البيانات، والتصميم الرقمي، بشرط الاستثمار في التدريب. يحذر أحد تقاريرها من أن 63% من أصحاب العمل في المنطقة يعتبرون فجوة المهارات هي العائق الأكبر أمام التحول، لكن 85% منهم يخططون للاستثمار في تدريب العاملين بين عامي 2025 و2030.
