جحيم تحت الأرض شمال الليطاني... ما الذي وجدته إسرائيل في أنفاق حزب الله؟

كشفت إسرائيل عن شبكة ضخمة من الأنفاق والمنشآت المحفورة في عمق الصخور ضمن منطقة قلعة الشقيف في جنوب لبنان، قالت إن «حزب الله» أنشأها على مدى نحو 20 عاماً، وجهّزها للإقامة الطويلة والقتال ضد القوات البرية والجوية، في واحدة من أوسع البنى التحتية تحت الأرض التي تعلن القوات الإسرائيلية العثور عليها شمال نهر الليطاني.

وبحسب تقرير مصوّر للصحافيين يائير كراوس وزيف كورن، رافق الأخير عناصر وحدة «يهلوم» الهندسية الإسرائيلية خلال الاستعدادات لتدمير المواقع تحت الأرض، فإن الشبكة تضم غرف إقامة ومطابخ وحمامات ومستودعات للأسلحة، إضافة إلى غرفة عمليات جراحية وممرات تسمح بالتنقل داخل المنشأة بواسطة مركبات صغيرة.

جحيم تحت الأرض شمال الليطاني... ما الذي وجدته إسرائيل في أنفاق حزب الله؟

وفي إحدى الغرف المحفورة داخل الصخر، بطول 15 متراً وارتفاع عدة أمتار، وقف النقيب «ب»، ضابط العمليات في وحدة «يهلوم»، أمام خزائن شخصية وأسرّة وفرش أُعدّت لاستيعاب فصيل كامل من عناصر «حزب الله».

وأوضح الضابط أن الموقع لا يشبه الأنفاق الضيقة التي واجهتها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، إذ أقيم إلى جانب كل غرفة مطبخ صغير لإعداد الطعام، ومراحيض وحمامات ومستودعات للأسلحة والذخائر.

جحيم تحت الأرض شمال الليطاني... ما الذي وجدته إسرائيل في أنفاق حزب الله؟

وقال: «هذا حدث كبير جداً وعملية ضخمة عملوا عليها مدة طويلة حتى أصبحت جاهزة للتنفيذ. لقد استثمروا في هذا المشروع بصورة استثنائية. البنية التحتية لم تفاجئنا، لأننا سبق أن واجهنا القدرات الإيرانية نفسها، والأسلحة نفسها، والتصميم الدقيق نفسه في مسارات أخرى دخلنا إليها، لكن عندما تعيش التجربة وتشاهدها بعينيك، فهذا أمر تاريخي».

ووفق التقرير، تختلف هذه المنشآت عن الأنفاق القريبة من الحدود، التي كان هدفها تأمين اقتحام سريع وتكتيكي لقوات «الرضوان» نحو شمال إسرائيل، إذ صُممت المواقع المكتشفة في منطقة الشقيف لمواجهة تفوق الجيش الإسرائيلي في الجو وعلى الأرض، وتأمين قدرة على الصمود والقتال لفترات طويلة.

جحيم تحت الأرض شمال الليطاني... ما الذي وجدته إسرائيل في أنفاق حزب الله؟

وقال ضابط العمليات إن القوات عثرت داخل الموقع على أسلحة وصفها بأنها من «الأكثر قيمة» في عالم السلاح، بينها صواريخ مضادة للدروع من أنواع خاصة جرى تهريبها من إيران، وألغام مضادة للطائرات المروحية.

وأضاف: «رأينا أنهم استعدوا للتحصن حتى في حال وصول قوات من الجو».

وأظهرت كميات الأسلحة الموجودة داخل الغرف أن المنشأة لم تُعدّ للاستخدام السريع، بل للإقامة الطويلة. فقد عثرت القوات، وفق التقرير، على مئات العبوات الناسفة، وكميات ضخمة من الصواريخ المضادة للدروع، وعشرات العبوات القافزة المضادة للأفراد والمروحيات، وأكثر من 250 ألف قطعة ذخيرة مخصصة للدفاع الجوي.

وقال الضابط: «وقفت أمام كل هذه الكميات وتخيلت عدد الأسابيع التي احتاجوا إليها لإدخال كل هذا العتاد إلى الداخل بصورة سرية. إنها عملية معقدة جداً».

ولم تقتصر الشبكة على التجهيزات القتالية، بل ضمت مساحات طبية متقدمة. وقال النقيب «ب» إن القوات عثرت في أحد الأجزاء الأكثر تطوراً على غرفة عمليات جراحية متكاملة.

وأضاف: «لا أستطيع القول ما إذا كانت معدّة أيضاً لاحتمال خطف إسرائيليين، لكن هذا سيناريو منطقي تماماً في ضوء النيات التي نعرف أنهم يملكونها».

كما عُثر على مركبات صغيرة خُصصت لنقل العناصر بسرعة داخل النفق الرئيسي، بما يتيح لهم الخروج إلى الخارج لإطلاق النار باتجاه إسرائيل، ثم العودة سريعاً إلى باطن الأرض.

ولم تدخل القوات الإسرائيلية إلى المنشأة من دون مواجهة. فرغم التعقيدات الهندسية في عمليات الحفر داخل الصخور، والتي أدت إلى بقاء بعض الأجزاء غير مكتملة، كان عناصر «حزب الله» قد بدأوا بالفعل باستخدام المواقع والتمركز فيها.

وقال الضابط مستعيداً المواجهة المباشرة تحت الأرض: «حتى إن العدو فجّر عبوة من داخل الأنفاق باتجاه قواتنا. كان هناك عدو يقاوم، يزرع العبوات ويأتي للقتال».

وأوضح أن التطوير السريع لأسلحة ووسائل مخصصة للقتال تحت الأرض ساهم في حسم المواجهة في الموقع، مشيراً إلى أن معالجة المنشأة أصبحت الآن في عهدة مهندسي وحدة «يهلوم» وقيادة المنطقة الشمالية وسلاح الهندسة في الجيش الإسرائيلي، بسبب طبيعة الصخور والتحديات المعقدة المرتبطة بتدميرها.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن الهدف الميداني المباشر من تطهير المنطقة هو تفكيك ما يصفه بـ«خط الصواريخ المضادة للدروع»، وهو سلسلة مرتفعات تشرف بصورة مباشرة على منطقة إصبع الجليل.

وقال النقيب «ب»: «عندما تقف في الأعلى وتدرك أن عنصراً يمكنه الخروج من مسار تحت الأرض، ورؤية منزل إسرائيلي عبر المنظار وإطلاق النار عليه، فهذا وضع لسنا مستعدين للسماح به».

وأضاف: «لا يمكن السماح بوجود بنى تحتية إرهابية في جنوب لبنان، لا قرب السياج ولا فوق السلسلة الجبلية المقابلة».

وبحسب التقرير، يُتوقع أن يستكمل الجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة استعداداته لتدمير ما وصفه بـ«مدن الإرهاب» القريبة من الحدود، إلا أن المخاوف الإسرائيلية لا تتوقف عند هذه المنطقة.

ففي عمق الأراضي اللبنانية، وخلف ما يسميه الجيش الإسرائيلي «الخط الأصفر»، تشير التقديرات إلى وجود شبكة أخرى واسعة لم تُكشف بعد، وصفها التقرير بأنها «دولة إرهاب لبنانية تحت الأرض».

وختم النقيب «ب» بالقول: «في الاتجاه شمالاً، إذا اضطررنا إلى الوصول إلى هناك، فلدينا أهداف أيضاً».

وبذلك، لا تكشف الصور الإسرائيلية مجرد أنفاق أو مخازن سلاح منفصلة، بل بنية عسكرية كاملة تحت الأرض، تجمع بين الإقامة والطبابة والقتال والتنقل، وتفتح في الوقت نفسه أسئلة تتجاوز حدود الموقع المكتشف إلى حجم ما لا يزال مخفياً شمال الليطاني.