:
يتسع نطاق الاعتداء الإسرائيلي على لبنان، حيث لم يعد هناك حدود لمناطقه المستهدفة، إذ شملت الغارات بيروت ومناطق متعددة في البلاد، مما يزيد من المخاوف بشأن مرحلة أكثر خطورة قد تتعدى المواجهة التقليدية.
من هذا المنطلق، تظهر تساؤلات حول الأهداف الإسرائيلية من هذا التصعيد، وهل هو مجرد عملية عسكرية محدودة أم جزء من مشروع أكبر يسعى إلى فرض حقائق جديدة في المنطقة؟
في هذا الإطار، يقدم العميد المتقاعد تقي الدين التنير تحليلاً للمشهد العسكري والسياسي، مركزاً على دلالات التصعيد الإسرائيلي وتأثيراته على لبنان، بالإضافة إلى المخاطر المرتبطة بتداعيات الحرب على الوضع الداخلي اللبناني ووحدته الوطنية.
في حديث لـ ، يرى العميد تقي الدين التنير أن إسرائيل صعّدت عدوانها على لبنان بشكل غير مسبوق، ولم تعد الضربات محصورة في مناطق معينة، بل امتدت إلى بيروت ومناطق مختلفة من البلاد، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل قد قررت توجيه ضربة قاصمة للبنان.
ويشير إلى أن إسرائيل، بصرف النظر عما يحدث بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة، يبدو أنها حصلت على ما يشبه “الضوء الأخضر”، وكانت تنتظر الفرصة المناسبة لاستغلالها، مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة بقضايا أخرى.
ويركز على الطموح الإسرائيلي الذي يشبه ما كان يعرف سابقاً بـ “الحزام الأمني”، مشيراً إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى توسيع هذا الحزام وفقاً لما تسمح به الظروف الميدانية، بحيث يمتد على مساحة قد تتراوح بين 250 و 300 كيلومتر مربع، وربما يصل إلى مناطق أبعد.
وفقاً للتنير، فإن ما يحدث في الجنوب يصاحبه تدمير ممنهج، حيث بدأت الضربات في منطقة جنوب الليطاني، لكنها امتدت لاحقاً إلى مناطق أخرى مثل الزهراني، وقد تتوسع لاحقاً لتشمل صيدا ومناطق إضافية.
ويؤكد أن الضربات الإسرائيلية لن تتوقف عند هذا الحد، على الرغم من انشغال سلاح الجو الإسرائيلي بضرب إيران، معتبراً أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضربات أشد وأكثر تدميراً، مما يعني المزيد من القتل والتهجير والتشريد للشعب اللبناني الذي يعاني بالفعل من ظروف صعبة.
أما بالنسبة لبقية المناطق اللبنانية، فيرى التنير أن إسرائيل تسعى من خلال ضرباتها إلى زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني من خلال توجيه ضربات مؤلمة ومتتالية، كما حدث في بيروت وفي مناطق من العاصمة الإدارية، وليس فقط في الضاحية الجنوبية التي تتعرض، بحسب وصفه، لعملية تدمير ممنهجة تجري على مرأى من العالم.
ويضيف أن الضربات مستمرة أيضاً في منطقة البقاع، معتقداً أن إسرائيل قد تقدم في مرحلة لاحقة على توجيه ضربة كبيرة نحو السلسلة الشرقية، حيث تعتقد بوجود مخزون كبير من الصواريخ الباليستية والصواريخ الدقيقة التابعة لحزب الله.
وحول ما إذا كان هذا التوسع قد يؤدي إلى إقامة منطقة أمنية تسعى إسرائيل إلى ضمها في إطار ما يعرف بمشروع “إسرائيل الكبرى”، يقول التنير إن إسرائيل تسعى منذ عقود إلى تقسيم العالم العربي إلى كيانات طائفية ومذهبية، بحيث يبقى الكيان الصهيوني هو الأقوى عسكرياً والأكثر تسلحاً في المنطقة.
ويضيف أن ما نشهده اليوم هو امتداد لهذا المشروع الذي يظهر بين الحين والآخر بأشكال مختلفة، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل حربها في محاولة للسيطرة، سواء عسكرياً أو اقتصادياً، على منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في لبنان وسوريا والعراق.
ويرى أن هذه الهيمنة لا تقتصر على القوة العسكرية فقط، بل تتعزز أيضاً بالدعم الأمريكي والتفوق العسكري الإسرائيلي، خاصة في مجال سلاح الجو والتكنولوجيا العسكرية.
وعن قدرة لبنان أو إيران على إفشال هذا المشروع أو عرقلته، يعبر التنير عن قلقه الشديد من واقع الانقسام الداخلي في لبنان، مشيراً إلى أن بعض الخطابات الإعلامية والسياسية تتجه نحو التشكيك في الجيش اللبناني ومحاولة ضرب المؤسسة العسكرية من الداخل، مما يساهم في إضعاف الوحدة الوطنية.
ويتساءل في هذا السياق: أين الوحدة الوطنية؟ وأين التضامن والتعاون بين اللبنانيين؟ وأين الروابط الإنسانية التي يفترض أن تجمع أبناء الشعب الواحد؟
ويقول إنه صحيح أن هناك مظاهر تضامن فردية بين اللبنانيين، لكن على المستوى العام ما تزال الانقسامات والخلافات السياسية والطائفية حاضرة بقوة، مما يضعف قدرة البلاد على مواجهة التحديات.
ويرى أن مواجهة أي مشروع خارجي تتطلب أولاً تعزيز الوحدة الوطنية والشعور بالانتماء إلى الوطن، ووضع المصلحة الوطنية اللبنانية فوق أي مصالح ضيقة أو فئوية.
ويحذر من أن غياب هذا الشعور قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام والتشتت والضعف، وهو ما يخدم المشاريع الخارجية.
وعن احتمال تكرار سيناريو الاحتلال الإسرائيلي كما حدث عام 1982، يقول التنير إنه لا يعتقد أن إسرائيل ستلجأ إلى اجتياح بري واسع كما حدث في ذلك الوقت، مشيراً إلى أن طبيعة الحروب تغيرت اليوم.
ويضيف أن الحروب الحديثة تعتمد بشكل أساسي على القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية، مما يسمح بتوجيه ضربات قاسية دون الحاجة إلى دخول بري واسع النطاق.
ويرى أن إسرائيل تحاول اليوم إلحاق أكبر قدر ممكن من الدمار بالبنية التحتية اللبنانية، بالتوازي مع سياسة تهجير ممنهجة للسكان، مما يؤدي إلى موجات نزوح داخلي وما يصاحبها من مشكلات اجتماعية واقتصادية وأمنية قد تؤثر على الاستقرار الداخلي.
ويؤكد أن ما يقلقه أكثر هو أن القوة الجوية الإسرائيلية الكاملة لم تستخدم بعد في الساحة اللبنانية، بسبب انشغالها بجبهات أخرى.
ويضيف أنه إذا توقفت الضربات الجوية لفترة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تخلت عن أهدافها، بل قد تكون بصدد إعادة ترتيب أولوياتها قبل استكمال مشروعها في لبنان.
ويختتم التنير بالقول إن أحد الأهداف الأساسية التي تسعى إليها إسرائيل هو نزع سلاح حزب الله أو على الأقل إبعاده نهائياً عن حدودها الشمالية وعن المستوطنات في شمال إسرائيل، كما تدعي.