إيران ما بعد خامنئي: انشقاقات في أعلى مستويات السلطة

تتزايد المؤشرات على وجود انقسامات داخل القيادة الإيرانية العليا، خاصة في ظل الحرب المستمرة التي تعتبرها القيادة مسألة بقاء، حيث تظهر خلافات بين المتشددين في الحرس الثوري والفصائل الأكثر اعتدالاً في النظام.

ووفقًا لتقرير نشرته وكالة “رويترز”، بدأت الخلافات تطفو على السطح بين النخبة الحاكمة، والتي ظلت لفترة طويلة مكبوتة تحت سيطرة المرشد الإيراني علي خامنئي، وذلك بعد وفاته قبل أسبوع، وفي وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا عسكرية متزايدة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

أفادت مصادر مطلعة من داخل إيران بأن القصف المتواصل والعمليات العسكرية دفعت الحرس الثوري إلى تولي دور أكبر في صياغة الاستراتيجية الإيرانية، وذلك على الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدها في صفوف قادته جراء سلسلة العمليات التي استهدفت كبار القادة.

وكشفت المصادر، التي تحدثت لـ”رويترز” شريطة عدم الكشف عن هويتها نظرًا لحساسية الموضوع، عن تصاعد التوتر بين الشخصيات القيادية التي نجت من تلك الهجمات.

وفي إشارة أخرى إلى التوتر داخل النظام، يسعى رجال الدين في إيران إلى تسريع عملية اختيار مرشد أعلى جديد خلفًا لخامنئي، مع احتمال اتخاذ قرار بهذا الشأن في وقت قريب.

يُنظر إلى مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، على أنه الأوفر حظًا لتولي المنصب بدعم من الحرس الثوري ومكتب والده السابق، إلا أن قلة خبرته السياسية والعسكرية أثارت تحفظات داخل بعض أوساط النظام.

وتشير التقديرات أيضًا إلى أن المرشحين الآخرين قد يواجهون صعوبة في الحصول على الولاء الكامل للحرس الثوري، وهو عنصر أساسي للحفاظ على تماسك النظام.

أثار اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول المنطقة عن الهجمات التي طالت أراضيها خلال الأيام الماضية غضبًا واسعًا في صفوف المتشددين داخل الحرس الثوري والنخبة المحافظة.

وفي انتقاد صريح، هاجم النائب الإيراني المتشدد حميد رسائي الرئيس بزشكيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واصفًا موقفه بأنه “ضعيف وغير مقبول”.

وعقب موجة الانتقادات، نشر بزشكيان تصريحًا جديدًا على وسائل التواصل الاجتماعي حذف منه الاعتذار الذي كان قد أثار غضب المتشددين، في خطوة اعتبرها مراقبون تراجعًا واضحًا.

وعلى الرغم من اتفاق مختلف التيارات داخل النظام الإيراني على ضرورة الدفاع عن إيران ونظامها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن الانقسامات أصبحت واضحة حول الطريقة الأنسب لإدارة المواجهة.

وقال الباحث في معهد الشرق الأوسط أليكس فاتانكا إن الحروب غالبًا ما تكشف مراكز القوة الحقيقية داخل الأنظمة السياسية، مشيرًا إلى أن الصوت الأكثر تأثيرًا في إيران حاليًا هو صوت الحرس الثوري وليس القيادة المدنية.

يخضع النظام السياسي في إيران لسلطة المرشد الأعلى الذي يتمتع بصلاحيات واسعة ويشرف على الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية الكبرى.

وخلال 36 عامًا من حكم خامنئي، كان غالبًا ما يدير التوازن بين التيارات المتشددة والمعتدلة داخل النظام، مع احتفاظه بالكلمة الفصل.

وبعد وفاته، انتقلت السلطة مؤقتًا إلى مجلس قيادي مؤقت يضم الرئيس بزشكيان ورئيس السلطة القضائية ورجل دين من مجلس صيانة الدستور.

ولكن حتى داخل هذا المجلس بدأت تظهر بوادر توتر، إذ دعا رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إلى مواصلة الضربات القوية ضد الأهداف المرتبطة بالدول التي سمحت باستخدام أراضيها لمهاجمة إيران، في موقف يتعارض مع خطاب بزشكيان الأكثر ميلًا إلى التهدئة.

ويرى مراقبون أن هذه الخلافات تعكس مرحلة حساسة داخل النظام الإيراني في ظل غياب الشخصية التي كانت تمسك بخيوط السلطة وتحافظ على توازناتها لعقود.