
على الرغم من أن أسواق النفط غالبًا ما تتجاوز التهديدات الجيوسياسية بسرعة، يبدو أن التصعيد الأخير في منطقة الشرق الأوسط يختلف هذه المرة، حيث ارتفع سعر خام برنت بنسبة تقارب 8٪ ليبلغ حوالي 78 دولارًا للبرميل منذ اندلاع الأزمة الجديدة مع إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وعلى الرغم من أن السوق عادة ما تقوم بتسعير المخاطر ثم تتجاوزها، يحذر المحللون من سيناريوهين قد يؤديان إلى صدمة نفطية أطول وأكثر حدة.
ووفقًا لما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن السيناريو الأول هو حدوث اضطراب طويل الأمد في مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره يوميًا حوالي 20 مليون برميل، أي ما يعادل خمس إنتاج العالم.
أما السيناريو الثاني فهو تعرض منشآت الإنتاج أو البنية التحتية النفطية في المنطقة لضربات مباشرة، وبشكل يؤثر على الطاقة الإنتاجية الفائضة في السعودية والإمارات.
أسوأ السيناريوهات: أسعار فوق 130 دولارًا
يرى الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كلينتون سيغل، أن السيناريو الأكثر خطورة هو تعرض منشآت التصدير الحيوية في دول الجوار لضربات إيرانية مباشرة، خاصة تلك القريبة من نطاق الأسلحة الإيرانية والتي يصعب إصلاحها بسرعة.
ويقدر سيغل أن تحقق هذا السيناريو قد يدفع الأسعار إلى ما فوق 130 دولارًا للبرميل، وهو المستوى الذي شهدته الأسواق بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
لماذا يختلف الوضع هذه المرة؟
تاريخيًا، لم تتحقق التوقعات المتشائمة. لم يتم تسجيل تعطيل كبير لحركة المرور في مضيق هرمز منذ الثمانينيات، كما أن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية النفطية في السعودية عام 2019 لم تتسبب في أضرار واسعة النطاق.
لكن بوب ماكنالي، رئيس مجموعة “رابيدان إنرجي”، يشير إلى أن الأسواق عاشت “سبع سنوات من سيناريو الراعي الكاذب”، مما جعلها أقل حساسية للتهديدات المتكررة.
إلا أن التصعيد الحالي يمثل مستوى مختلفًا تمامًا. فواشنطن، بحسب سيغل، لا تضغط على النظام الإيراني فحسب، بل تتحرك في اتجاه إسقاطه، مما يعني أن طهران “لم يعد لديها ما يدعوها لعدم استخدام أقوى أسلحتها، بما فيها قدرتها على تعطيل أسواق النفط والغاز”.
وقد شنت إيران بالفعل هجمات على 3 سفن تجارية بالقرب من مضيق هرمز، كما استهدفت أكبر مصفاة نفط سعودية.
وتوضح تقارير “كلير فيو إنرجي” أن إيران قد لا تكون قادرة على إغلاق المضيق بالكامل، لكنها قادرة على جعل المرور أكثر خطورة من خلال الهجمات أو المضايقات البحرية أو زرع الألغام.
وقال ماكنالي: “كل ما تحتاجه إيران هو جعل الأمر شديد المخاطرة بحيث ترفض شركات التأمين والمشغلون المرور”.
وفي حالة تعطيل المضيق، فإن طاقة خطوط الأنابيب البديلة غير كافية. وتقدر وكالة الطاقة الدولية القدرة المتاحة بنحو 4.2 مليون برميل يوميًا فقط، بينما يمر عبر هرمز خمسة أضعاف هذا الرقم.
كما أن الطاقة الاحتياطية العالمية أصبحت أقل. فقد رفعت دول “أوبك+” إنتاجها خلال العامين الماضيين، مما أدى إلى تراجع الفائض. وعلى الرغم من إعلانها زيادة قدرها 206 آلاف برميل يوميًا في بداية أبريل، إلا أن تقرير “آر بي سي كابيتال ماركتس” يشير إلى أن الإنتاج الفعلي سيكون أقل بسبب عدم توفر قدرة إنتاج حقيقية لدى بعض الأعضاء.
هل يمكن للصين امتصاص الصدمة؟
اشترت الصين خلال الأشهر الماضية كميات كبيرة من النفط المخفض والسابق للعقوبات، واحتفظت بجزء منها في المخزون. ويقدر محللو “مورغان ستانلي” أنها قد تبطئ مشترياتها إذا قفزت الأسعار، مما يوفر بعض التوازن.
لكن السيناريو المعاكس قائم. فتفاقم الصراع قد يدفع بكين إلى زيادة التخزين بدلًا من تقليله.
أما المخزون العائم من النفط الخاضع للعقوبات، فيقدر “غولدمان ساكس” أنه يبلغ نحو 375 مليون برميل، لكن الاستفادة منه تعتمد على استعداد الصين ودول أخرى لتحدي قيود إدارة ترامب.
النفط الصخري الأميركي.. ليس طاقة احتياطية
على الرغم من أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم، إلا أن النفط الصخري لا يعتبر طاقة فائضة لأنه يحتاج إلى عدة فصول لزيادة الإنتاج بشكل ملموس، وفقًا لـ “غولدمان ساكس”، وليس 30 يومًا كما تنص تعريفات الطاقة الاحتياطية.
وفي المقابل، يمكن للمخزونات الاستراتيجية أن تخفف الضغط، ولكن بقدرات محدودة.
فاحتياطي الطوارئ الأمريكي يمكنه ضخ 1.4 إلى 2.1 مليون برميل يوميًا، بينما قد يساهم أعضاء وكالة الطاقة الدولية بـ 5.2 مليون برميل يوميًا إضافية.
ولكن كل ذلك يظل ضئيلًا مقارنة بـ 20 مليون برميل يوميًا تمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية. كما أن المخزون الأمريكي لا يتجاوز ما يعادل 20 يومًا من الاستهلاك المحلي.
النفط رادع للطرفين
قبل انتخابات التجديد النصفي، لا يرغب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في رؤية أسعار البنزين ترتفع. وفي المقابل، لا تستطيع إيران تحمل خسارة إيراداتها النفطية.
لكن تصاعد الأحداث أظهر أن الطرفين مستعدان لتحمل مخاطر أكبر مما تتوقعه الأسواق، مما يجعل أسعار النفط رهينة لكل تطور جديد.