
لبنان اليوم على مفترق طرق بالغ الخطورة، تتشابك فيه الأزمات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية المتسارعة. التصريحات السياسية لم تعد مجرد آراء عابرة، بل مؤشرات قد تحمل في طياتها تحولات جذرية. وفي ظل أجواء متوترة على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، ومسار تفاوضي دولي يشوبه التصعيد والتهدئة، يكتسب أي تحذير سياسي أهمية مضاعفة.
في هذا السياق، يقدم المحلل والكاتب السياسي إبراهيم بيرم تحليلاً معمقاً لتحذير وليد جنبلاط بشأن 15 آذار، ويتناول احتمالات نشوب حرب إقليمية، واستراتيجية التفاوض الأميركية.
يوضح إبراهيم بيرم أن التحذير الذي أطلقه وليد جنبلاط بشأن 15 آذار لا يمكن ربطه مباشرةً بالانتخابات أو بانتهاء الدورة الاستثنائية المفتوحة حتى ذلك التاريخ. ويرى أن الأمر يتجاوز حدثاً محلياً عادياً، مثل إجراء الانتخابات أو عدمه، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
يؤكد بيرم بوضوح: “نحن أمام وعد أو تلويح بشيء كبير، من دون أن نعرف طبيعته. وهذا ما يزيد القلق. فالغموض في حد ذاته عنصر مقلق، خصوصاً عندما يصدر عن شخصية سياسية اعتادت إطلاق الإشارات المدروسة. صحيح أن جنبلاط غالباً ما يلمّح ولا يصرّح، لكنه هذه المرة ــ بحسب بيرم ــ أطلق تحذيراً خطراً في لحظة شديدة الحساسية، لحظة يعيش فيها اللبنانيون حالة ارتجاج عامة، وحالة انعدام توازن ومخاوف مفتوحة.”
ويتساءل بيرم: “لماذا أُطلقت هذه الإشارة الآن؟ وما الذي ترتبط به؟ هل هو أمر داخلي؟ إقليمي؟ دولي؟ لا أحد يعرف. لا توجد معطيات واضحة. ترك المسألة في هذا المستوى من الغموض يزيد القلق الشعبي، ويجعل الناس تستشعر أن هناك تطوراً كبيراً يُحضَّر في الكواليس.”
ويضيف: “عندما يصدر تصريح بهذا الحجم من شخص مثل جنبلاط، لا يمكن التعامل معه بخفة، شخصياً، يقول بيرم، أستهول الأمر. أتعاطى معه على أنه تحذير جدي، لأن التوقيت دقيق، ولأن البلد أصلاً يعيش في حالة توتر وعدم استقرار.”
أما فيما يتعلق بالمفاوضات الأخيرة، يرى بيرم أنها قد تقلل من احتمالية نشوب حرب إقليمية، لكنها لا تستبعدها بشكل كامل. ويضيف أن الاجتماعات التقنية والمؤشرات الإيجابية تعطي انطباعاً بوجود جدية في التفاوض، مما يقلل من حدة القلق مقارنة بالفترة السابقة التي شهدت تهديدات باندلاع حرب وشيكة.
ويشير إلى أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب اتبع أسلوب التهديد اليومي، ملوحاً بضربات قريبة. ويؤكد أن هذا الأسلوب لا يزال جزءاً من السياسة الأميركية التفاوضية: الجمع بين الترغيب والترهيب، أو ما يمكن تسميته بفرض السلام بالقوة، أو فرضه تحت التهديد. ويضيف أن هذا النهج ليس جديداً، بل هو من أساسيات التفاوض الأميركي، حيث يقترن الضغط والتهديد بمفاوضات مفتوحة في الوقت نفسه.
وختاماً، يرى بيرم أن لبنان يمر بمرحلة غموض عميق: تحذيرات سياسية مبهمة، مفاوضات دولية تخفف التوتر دون أن تنهيه، وضغوط ميدانية مستمرة في الجنوب. كل ذلك يضع البلاد في حالة ترقب شديد، حيث لا شيء مؤكد، وتبقى جميع الاحتمالات مفتوحة.