
-محمد علوش
عندما سقط نظام دمشق السابق، لم يتم إغلاق دفاتر الحسابات القديمة بين من وصل إلى السلطة و”حزب الله” في لبنان بشكل كامل. بل جرت إدارة الصراع بطريقة تمنع اتخاذ خطوات متهورة، فتحولت الحدود إلى مناطق رخوة تتناقل فيها الرسائل الأمنية.
شهدت المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا في الأسابيع التي تلت سقوط النظام السابق توترات متقطعة، وحوادث أمنية متفرقة، واستنفارًا لبنانيًا سعى لاحتواء تداعيات التغيير في سوريا. في تلك الفترة، كان السؤال الأبرز يدور حول احتمال تحول العلاقة بين الحكم الجديد في دمشق و”حزب الله” إلى مواجهة أمنية. لكن ما حدث بعيدًا عن الأضواء كان مختلفًا، إذ جرى تواصل غير مباشر، بوساطة عراقية في البداية، حمل رسائل تطمين متبادلة تؤكد عدم الرغبة في الصدام وعدم وجود مصلحة في فتح جبهة جديدة. في ذلك الوقت، كان قرار “حزب الله” هو عدم التدخل في الأحداث الجارية في سوريا، مع الحفاظ على الحذر من أي تحركات سورية على الحدود.
لاحقًا، دخلت أنقرة على الخط، وأصبحت تركيا راعيًا غير معلن لتنظيم العلاقة بين الحزب والإدارة السورية الجديدة، واستقبلت العديد من الموفدين في سياق تثبيت قواعد اشتباك سياسية وأمنية تمنع حدوث انفجار.
ظاهريًا، كان استقرار الحدود مصلحة مشتركة، لكن تعقيدات المشهد السوري كانت تفرض نفسها تحت السطح، وعلى رأسها ملف المقاتلين الأجانب، وهو ما يثير القلق اليوم.
بحسب مصادر مطلعة، وجدت الإدارة السورية الجديدة نفسها أمام معضلة تتمثل في هؤلاء الذين أتوا من مناطق بعيدة للقتال تحت رايات إسلامية متشددة. بعد سقوط النظام، تعرضت سوريا لضغوط داخلية ودولية لإنهاء ملف المقاتلين الأجانب، لإبعاد مظاهر الإرهاب عن الحكم الجديد، ولصعوبة دمجهم في مجتمع سوري لم يستسغ وجودهم أصلًا.
وتكشف المصادر أن أحد “الحلول” كان نقل جزء منهم إلى الحدود مع لبنان، وكان التبرير هو إبعادهم عن المدن المكتظة، وملاءمة الطبيعة الجغرافية والمناخية للحدود مع بلدانهم الأصلية، وقوتهم في القتال واعتبارهم ورقة قوة في مواجهة “حزب الله”، وإبقاؤهم في حالة استعداد تحسبًا لتغيرات المشهد مع لبنان والحزب، نظرًا لوجود جزء منهم يحمل عداءً عقائديًا وسياسيًا للحزب في لبنان، ويعتبر أن له ثأرًا معه.
حتى وقت قريب، لم تكن هناك مؤشرات على قرار باستخدامهم في مواجهة لبنان. لكن الشهر الأول من العام الحالي حمل إشارات مقلقة تمثلت في تعزيزات بشرية في المنطقة الشرقية من الحدود، ووصول مجموعات من إدلب، وهي تحركات وتعزيزات لا يقابلها تفسير رسمي سوري واضح. المصادر المتابعة لا تجزم عبر بوجود نية للتصعيد، لكنها تتحدث عن وقائع لا يمكن تجاهلها، ويجب تسليط الضوء عليها. فقيادة الجيش اللبناني، التي تراقب الحدود بدقة، لم تتلقَّ إجابات شافية حول أسباب هذه التعزيزات، فيما يتصاعد القلق بالتوازي مع تسريبات إقليمية حول سيناريوهات عدوان أميركي على إيران، واحتمال توسع إسرائيلي باتجاه لبنان، الأمر الذي قد يجعل الحدود السورية غير بعيدة عنه.
هنا تتساءل المصادر: “هل يمكن أن يتحول عبء المقاتلين الأجانب في سوريا إلى مادة تصدير أمني تحت عنوان “محاربة الإرهاب” داخل الأراضي اللبنانية، خصوصًا بعد انضمام سوريا إلى تحالف مواجهة الإرهاب؟”
في ظل هذه المعطيات الجديدة، لا بد من العودة إلى تركيا التي لعبت دور المنظم للعلاقة بين الحزب والسوريين، فهي تمتلك مفاتيح تأثير لا يمكن تجاهلها، وكذلك إلى المملكة العربية السعودية التي رعت مسألة الحدود والعلاقة اللبنانية–السورية. فالسؤال المطروح اليوم: هل ما زالت القنوات السياسية فاعلة؟ وهل تتحرك الحكومة اللبنانية في اتجاه أنقرة والرياض لطلب توضيحات وضمانات حول ما يجري على الحدود قبل أن يتحول الأمر فجأة إلى اشتباك، أو ما هو أكبر؟