
تواجه القيادة الإيرانية مرحلة تعتبر من بين الأكثر خطورة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وذلك في ظل أزمة اقتصادية شديدة الوطأة، وتصاعد الغضب الشعبي، وتراجع النفوذ الإقليمي، بالإضافة إلى استمرار التهديدات الأميركية باللجوء إلى الخيار العسكري.
ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة “بلومبرغ”، فإن هذه الضغوط المتراكمة تضع طهران في موقف استراتيجي بالغ الحساسية، وسط مخاوف إقليمية من أن يؤدي أي اضطراب داخلي كبير إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
ويوضح التقرير، الذي اعتمد على فيلم وثائقي جديد بثته الشبكة، أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى عقود من العقوبات الغربية، بالإضافة إلى سياسات اقتصادية داخلية وُصفت بأنها فاشلة. فقد تأثر المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة – صادرات النفط – بشكل كبير، مما اضطر طهران إلى بيع نفطها بأسعار مخفضة، بينما أدى انهيار العملة المحلية في ديسمبر الماضي إلى انخفاض حاد في القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع معدلات التضخم.
وشهدت الأسابيع الأخيرة موجة واسعة من الاحتجاجات بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية، والتي انتهت بحملة قمع عنيفة من قبل قوات الأمن، أسفرت، بحسب التقرير، عن سقوط آلاف القتلى. وقد أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى القمع الداخلي، بالإضافة إلى البرنامج النووي الإيراني، كأحد المبررات المحتملة لأي تحرك عسكري إضافي ضد طهران.
في المقابل، تحمل الحكومة الإيرانية الغرب والعقوبات المسؤولية، إلا أن المحللين يشيرون أيضًا إلى انتشار الفساد وسوء الإدارة الداخلية. ومع انسحاب الشركات الأجنبية من السوق الإيرانية نتيجة للعقوبات، توسع نفوذ الحرس الثوري داخل القطاعات الاقتصادية الرئيسية، مما عزز سيطرة شبكات مرتبطة به على مفاصل الاقتصاد ومكنها من تحقيق مكاسب كبيرة.
إقليميًا، تراجع موقع إيران بشكل ملحوظ. فمنذ هجوم حماس في 2023 والحرب في غزة، تضرر نفوذ الحركة بشكل كبير، كما أثرت عمليات استهداف قيادات بارزة في “حزب الله” في لبنان على توازناته. وفي سوريا، أصبحت السلطة الفعلية في يد أطراف لا يمكن وصفها بأنها قريبة من طهران. وبالتالي، تجد إيران نفسها اليوم بقدرة تأثير محدودة مقارنة بما كانت عليه عندما تصدرت ما عُرف بـ “محور المقاومة”.
ويشير التقرير إلى أن اجتماع الضغوط الاقتصادية الشديدة، والعزلة الإقليمية المتزايدة، والتهديد العسكري الأميركي، وتصاعد الاحتقان الشعبي، يضع القيادة الإيرانية أمام تحديات غير مسبوقة. وتراقب العديد من العواصم في الشرق الأوسط التطورات بقلق، خشية أن يؤدي أي تصدع داخلي في طهران إلى زعزعة استقرار أوسع في المنطقة.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو إيران أمام مفترق طرق صعب، حيث تتلاقى الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية والضغوط الدولية، في لحظة توصف بأنها من بين الأكثر حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.