
لم تكن لونا الشبل مجرد مستشارة إعلامية في القصر الرئاسي السوري، بل أصبحت، في السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد، إحدى الشخصيات الأكثر إثارة للجدل والنفوذ في الدائرة الضيقة المحيطة به. صعودها السريع، ثم موتها الغامض في تموز 2024، جعلاها رمزًا مكثفًا لطبيعة الحكم في دمشق خلال تلك المرحلة: سلطة مغلقة، علاقات شخصية معقدة، وانعدام ثقة وصل إلى حدّ التصفية.
يذكر الكاتب الأميركي روبرت إف. وورث في تحقيق مطوّل نشرته مجلة The Atlantic في 6 شباط 2026، أن الشبل، وهي صحافية سابقة في قناة “الجزيرة”، انتقلت من الإعلام إلى قلب القصر، حيث لم يقتصر دورها على إدارة الصورة والخطاب، بل امتد ليشمل التأثير المباشر على المزاج السياسي للرئيس السوري، وعلى طريقته في النظر إلى الداخل والخارج.
وينقل المقال عن مسؤولين سابقين ومصادر مقربة من القصر أن لونا الشبل أصبحت جزءًا من الدائرة المقربة للأسد، وحظيت بنفوذ استثنائي جعله يعتمد عليها في فهم المشهد الإعلامي والسياسي، وفي تصفية الحسابات داخل الدائرة المحيطة به. ويشير هؤلاء إلى أنها شجعته على الاستهانة بالشارع السوري وبالضغوط الاجتماعية المتزايدة، وساهمت في تعميق انفصاله عن واقع بلدٍ كان يعاني من انهيار اقتصادي ومعيشي.
من المشاهد اللافتة، كما ورد في The Atlantic، تسجيل صوتي انتشر في أواخر 2024، سُمع فيه الأسد ولونا الشبل يسخران من عناصر “حزب الله” ومن الجنود الذين يؤدون التحية لهم أثناء مرورهم في أحد أحياء دمشق. في التسجيل، يعلق الأسد بازدراء على السوريين قائلاً إنهم “ينفقون على المساجد ولا يملكون ما يأكلونه”، في مشهد اعتُبر تجسيدًا صارخًا لانفصال القيادة عن معاناة الشعب.
وتذهب روايات أخرى، نقلها التحقيق عن مصادر متعددة، إلى أن نفوذ الشبل لم يكن سياسيًا وإعلاميًا فقط، بل شخصيًا أيضًا. إذ يُزعم أنها لعبت دورًا في توفير نساء للأسد، من بينهن زوجات ضباط كبار، الأمر الذي جعلها شخصية غير مرغوب فيها داخل أجهزة النظام، ومصدرًا للعداوات في بيئة لا تحتمل هذا النوع من التداخل بين الأمور الخاصة والعامة.
وفي المقابل، تظهر اتهامات أكثر حساسية. فبحسب ما ذكره وورث عن مسؤول أمني إسرائيلي سابق ومصادر مقربة من النظام، يُشتبه في أن لونا الشبل أصبحت في مرحلة لاحقة قناة اتصال سرية مع موسكو، وقدمت معلومات للروس حول طبيعة الوجود الإيراني في سوريا وأنشطته. ووفقًا لهذه الرواية، فإن الشبل، التي أدركت ضعف موقع الأسد واقتراب نهايته، ربما سعت إلى تأمين “مظلّة بديلة” لنفسها خارج القصر، مما جعلها عرضة للشكوك القاتلة.
في تموز 2024، عُثر على لونا الشبل ميتة داخل سيارتها من طراز BMW على طريق سريع بالقرب من دمشق. أعلنت وسائل إعلام النظام أن الوفاة كانت نتيجة حادث سير، لكن ظروف الحادث أثارت تساؤلات واسعة. فبحسب تقارير متداولة، لم تكن السيارة متضررة بشكل كبير، بينما أظهرت الفحوصات أن إصابة الرأس كانت قاتلة، مما أثار فرضيات التصفية.
تباينت الروايات حول الجهة التي تقف وراء مقتلها. تحدثت بعض التسريبات عن تصفية بأمر إيراني، بسبب الاشتباه في تسريب معلومات لإسرائيل، في ظل تصاعد التوتر داخل “محور المقاومة”. إلا أن رواية أخرى، ينقلها The Atlantic عن مصادر مطلعة، تشير إلى أن الأسد نفسه هو من أمر بقتلها، بعد أن بدأ يشك في ولائها وتحركاتها، في مشهد يعكس مناخ الشك والانغلاق الذي ساد القصر في أشهره الأخيرة.
يخلص التحقيق إلى أن قضية لونا الشبل ليست مجرد حادثة منفصلة، بل هي تعكس انهيار الثقة داخل هيكل الحكم نفسه. فالقصر الرئاسي، الذي لطالما بدا حصنًا مغلقًا، تحول إلى ساحة صراعات صامتة، حيث أصبح القرب من الرئيس خطرًا بقدر ما هو امتياز. ومع سقوط النظام بعد أشهر قليلة من مقتلها، بدت الشبل وكأنها واحدة من أوائل ضحايا مرحلة التفكك الداخلي، التي سبقت الانهيار الكبير.