
أعلنت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود أن “السياحة الطبية باتت ضرورة استراتيجية للبنان”.
وفي أثناء مشاركتها في المؤتمر الوطني لتطوير استراتيجية السياحة الطبية في لبنان، الذي نظمته كلية الطب والعلوم الطبية في جامعة الروح القدس – الكسليك، بالتعاون مع مستشفى سيدة المعونات الجامعي، وبرعاية وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين، عبّرت الخازن لحود عن ابتهاجها، معتبرةً أن اختيار عنوان المؤتمر كان موفقًا للغاية في وصف المرحلة، إذ أصبحت السياحة الطبية “ضرورة استراتيجية للبنان”.
وشددت على أن هذا القطاع، إذا ما أُحسن إدارته كسياسة عامة متكاملة، يمكن أن يتحول إلى محرك اقتصادي مباشر، وأداة لتعزيز الثقة، وجسر تواصل مستمر بين لبنان وكل من يثمن كفاءاته الطبية في الداخل والخارج.
وأوضحت لحود أن دور وزارة السياحة يتمثل في التنظيم والترويج والتنسيق، دون التدخل في مهام وزارة الصحة، مؤكدة أن عمل الوزارة يركز على ربط طموحات السائح بالخدمة المتاحة، وربط الخدمة بالمعايير، وربط المعايير بصورة لبنان وثقة الزائر.
وأكدت أن السياحة الطبية تتطلب منظومة شاملة تتضمن استقبالًا منظمًا، ومعلومات واضحة، وتسعيرًا شفافًا، وحماية لحقوق المرضى، ومتابعة بعد العلاج، بالإضافة إلى تعاون وثيق بين وزارتي الصحة والسياحة، والأمن العام، والبعثات الدبلوماسية، والنقابات، والقطاعين الاستشفائي والتأميني.
وأشارت إلى أن أحد أبرز مواطن الضعف يكمن في نقص البيانات الدقيقة، داعيةً إلى إنشاء قاعدة معلومات وطنية للسياحة الطبية تتيح فهم مصادر المرضى، والتخصصات الأكثر طلبًا، ومدة الإقامة، والتكلفة، والأثر الاقتصادي، ومستويات الرضا، مما يساعد في اتخاذ قرارات أكثر فعالية في مجالات التسويق والاستثمار والتدريب.
وقدمت لحود مجموعة من المقترحات العملية، من أهمها وضع معايير جودة تغطي تجربة المريض بأكملها، وإنشاء مسار خدمات واضح للزائر العلاجي، وتطوير استراتيجية تسويق وطنية تستهدف أسواقًا معينة، وتعزيز الشراكات البحثية مع الجامعات، وتسهيل الإجراءات بالتعاون مع الجهات المعنية لضمان تجربة علاجية آمنة.
وأكدت أن السياحة الطبية ليست مقتصرة على فئة معينة، بل تمثل محركًا للتنمية يخلق فرص عمل وينعش قطاعات متعددة، من الفنادق والمطاعم والنقل إلى الخدمات والمهن الصحية المساندة، معتبرة أنها تعكس مسار تعافي الدولة اللبنانية. واختتمت كلمتها بالشكر لجامعة الروح القدس – الكسليك، معربةً عن أملها في التوصل إلى خريطة طريق عملية تعتمد على التزامات واضحة وشراكة متجددة بين وزارتي السياحة والصحة والجامعات والقطاعين الطبي والسياحي.
من جانبه، أعرب وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين عن شكره لجامعة الروح القدس – الكسليك على هذه المبادرة، معتبرًا أنها جمعت وزارتي الصحة والسياحة لوضع استراتيجية تمكن لبنان من استعادة مكانته في مجالي السياحة والصحة. وأشار إلى أن لبنان كان يُعرف تاريخيًا بأنه “مستشفى الشرق”، مستندًا إلى رصيد كبير من المستشفيات الجامعية والمؤسسات الصحية، وهو إرث يعتز به اللبنانيون رغم كل الصعاب.
وأضاف أن القطاع الصحي صمد رغم انفجار مرفأ بيروت، وجائحة كورونا، وانهيار العملة، والحرب، مؤكدًا أن هذا الصمود لا يرجع فقط إلى السياسات الصحية، بل إلى المستوى الأكاديمي الجامعي المتميز والنخبة من الأطباء والممرضين وسمعتهم الطيبة في الخارج، حيث يقصدهم المرضى من جميع أنحاء العالم.
وأشار ناصر الدين إلى أن القطاع السياحي تضرر بشدة نتيجة لعدم الاستقرار، مما أدى إلى فقدان عدد كبير من السياح الذين كانوا يأتون إلى لبنان للعلاج، موضحًا أن هؤلاء كانوا يشكلون قبل عام 2019 حوالي 30% من المرضى في بعض المستشفيات. ولفت إلى أن وزارة الصحة أرسلت خطابات إلى مجلس الوزراء وجميع الوزارات لوضع استراتيجية صحية تهتم بالسياحة الطبية، معتبرًا أن هذه الاستراتيجية تحتاج إلى وقت، لكنها تمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الهدف المنشود.
وتطرق أيضًا إلى هجرة الكفاءات الطبية، كاشفًا أن حوالي 40% من الأطباء اللبنانيين هاجروا خلال الأزمة، قبل أن يعود جزء منهم، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل مع الجهات التأمينية على تحسين آليات الدفع، وقد أنفقت خلال العام الحالي أكثر من خمسة أضعاف على التكاليف الاستشفائية. وأعرب عن أمله في أن تؤدي موازنة عام 2026 إلى توسيع تغطية وزارة الصحة، مما يعزز الاستقرار المالي ويحسن القدرة الاستشفائية ويدعم السياحة الطبية.
وتضمن المؤتمر جلسات متخصصة ناقشت سبل تطوير السياحة الطبية في لبنان. وركز المحور الأول على أهمية هذا القطاع ورؤية العالم العربي له، والعوامل التي تعزز جاذبية لبنان كوجهة علاجية، ومقومات نجاح استراتيجية وطنية شاملة، بالإضافة إلى جلسة حوارية لرسم خارطة طريق لإعادة تموضع لبنان في هذا المجال.
أما المحور الثاني، فقد تناول واقع لبنان وفرصه، من خلال بحث الاتفاقيات الثنائية، ودور الأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص، وأولويات القطاع العام، وأهمية التحول الرقمي، واستراتيجيات المستشفيات الخاصة في استقطاب السياح.
وفي ختام المؤتمر، تم تلاوة التوصيات التي أكدت أن السياحة الطبية لم تعد خيارًا ثانويًا أو نشاطًا تكميليًا، بل أصبحت مسارًا استراتيجيًا يجمع بين تطوير القطاع الصحي وتحفيز النمو الاقتصادي. وشددت المداخلات على أن لبنان يمتلك المقومات الأساسية ليكون مركزًا إقليميًا للسياحة الطبية، على الرغم من التحديات، داعية إلى شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص والجامعات، والانتقال من مرحلة النقاش إلى التنفيذ من خلال إطلاق استراتيجية وطنية متكاملة بخطط عمل وآليات تطبيق واضحة.