
تمكن فريق دولي من العلماء من فك رموز ملاحظات فلكية تعود إلى العالم الإغريقي “هيبارخوس”، بعد أن ظلت طي الكتمان لقرون تحت طبقات من النصوص التي أعيدت كتابتها، وذلك باستخدام “مسرّع جسيمات متطور” في مختبر وطني في الولايات المتحدة.
هذا الاكتشاف تم داخل مخطوطة تاريخية تعرف باسم “Codex Climaci Rescriptus”، وهي عبارة عن نص من نوع “palimpsest” يعود تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين، حيث تم مسح النصوص الأصلية وإعادة استخدامها لكتابة محتوى جديد، وهي ممارسة شائعة في العصور القديمة بسبب ندرة الرقوق وارتفاع تكلفتها.
إرث فلكي يسبق التلسكوبات:
قبل اختراع التلسكوب في القرن السابع عشر، اعتمد علماء الفلك الإغريق على الرصد بالعين المجردة لفهم حركة النجوم والكواكب. ويعتبر هيبارخوس من أبرز رواد هذا المجال، حيث وضع “واحداً من أدق كتالوجات النجوم في العالم القديم”، والذي كان يُعتقد لفترة طويلة أنه فُقد بالكامل.
ولكن في عام 2021، لاحظ الباحثون وجود أسماء كوكبات وقياسات فلكية مطموسة أسفل النصوص اللاحقة في المخطوطة، مما دفعهم إلى استخدام تقنيات تصوير متطورة لاستعادتها.
وقال الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي “فيكتور جيسمبرغ” إن «أهمية هذا الكتالوج لفهم نشأة العلم دفعتنا لاستخدام أقصى ما توصلت إليه التكنولوجيا».
مسرّع جسيمات يعيد إحياء الماضي:
اعتمد الفريق على “مسرّع جسيمات من نوع سينكروترون” في مختبر SLAC الوطني بولاية كاليفورنيا، حيث يتم تسريع الجسيمات المشحونة إلى سرعات قريبة من سرعة الضوء، مما ينتج أشعة سينية عالية الكثافة والدقة.
وقد سمحت هذه الأشعة بالكشف عن الفروقات الدقيقة بين الأحبار المستخدمة في عصور مختلفة. فعلى الرغم من محو النص الأصلي، ترك الحبر الأقدم بقايا غنية بالكالسيوم، مما مكّن العلماء من “إعادة رسم الحروف والكلمات المخفية”.
وأكد جيسمبرغ أن جودة الصور التي تم الحصول عليها «تفوق بكثير أي محاولات سابقة لإعادة قراءة النصوص الممحوة».
نافذة جديدة على «ولادة العلم»:
لا يزال النص المستخرج قيد التحليل الدقيق، إلا أن الباحثين أكدوا أنهم تمكنوا بالفعل من قراءة أجزاء واضحة من البيانات الفلكية من النتائج الأولية. ويتوقع الفريق أن توفر المخطوطة، بعد اكتمال الدراسة، “أكثر سجل تاريخي اكتمالاً معروفاً حتى الآن لمشاهدات هيبارخوس”.
ويرى العلماء أن هذا الاكتشاف لا يسلّط الضوء فقط على تاريخ علم الفلك، بل يمثل خطوة مهمة لفهم “البدايات الأولى للمنهج العلمي” في الحضارة الإنسانية.