القصة الكاملة: "فوزي مشلب" لم يسرق.. "الصدي" في حالة خوف

– ميشال قنبور

في فترة دقيقة للغاية من الناحيتين المالية والسياسية، بادرت وزارة الطاقة والمياه إلى مواجهة غير مسبوقة مع فوزي مشلب، الذي يُعتبر كاشفًا للفساد. أصدرت الوزارة بيانًا اتهمته فيه بـ “الإخلال بالأمن القومي الاقتصادي” و “تهديد الاستقرار الاجتماعي”، وذلك بسبب تواصله مع المصرف المراسل الأميركي JP Morgan، الذي تُجرى من خلاله الاعتمادات الخاصة باستيراد الفيول.

لكن الحقائق تكشف أن جوهر الموضوع ليس له علاقة بـ “أمن قومي” أو “استقرار اجتماعي”، بل بملف أكثر حساسية، وهو التدقيق المالي الدولي الذي بدأ يقترب من شحنات الفيول، وما يمكن أن يترتب على ذلك من إيقاف أو تعليق لعمليات الدفع.

في هذا الإطار، لم يتواصل فوزي مشلب مع المصرف المراسل بهدف التصعيد أو “تعطيل الدولة”، بل بعد أن واجه عجز المؤسسات الرسمية عن تطبيق دفاتر الشروط، وخاصة فيما يتعلق بعدم الدفع في حال تبين أن النفط من منشأ روسي أو أن مستنداته غير مكتملة.

من هنا تحديدًا بدأت الأزمة تأخذ منحى مختلفًا. فبعد أن استلم المصرف المراسل JP Morgan رسالة من مشلب تشدد على ضرورة الالتزام بمعايير الامتثال كما هو منصوص عليه في دفتر الشروط، وأن المسؤولية لا تقع على مصرف لبنان وحده بل تشمل أيضًا المصرف الذي يعزز الاعتماد (JP Morgan في حالتنا)، بدأ المصرف، وفقًا للمعطيات، بتشديد إجراءات التحقق حول ناقلة CAN KA إلى حين تمكن الشركة الموردة من إثبات صحة المنشأ.

تجدر الإشارة إلى أنه قبل رسالة مشلب، كان المصرف نفسه قد فحص حمولة ناقلة أخرى وصلت قبل أسابيع إلى وزارة الطاقة، دون أي مراسلة من مشلب.

لكن هذا التطور لم يُقابل بردود واضحة من وزارة الطاقة. فبدلًا من التعامل مع المسار الرقابي كإجراء طبيعي تفرضه أي جهة مصرفية مراسلة على دولة تعاني أصلًا من أزمة ثقة مالية، اختارت الوزارة التصعيد، وكأن المشكلة ليست في نقص المستندات أو ضعف الالتزام، بل في من طالب بالتحقق.

وبناءً عليه، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يخشى وزير الطاقة جو الصدي من إجراءات التحقق التي يقوم بها JP Morgan؟ فمن المفترض أنه حريص على استمرار الاستيراد وحماية القطاع، يجب أن يكون أول المدافعين عن الشفافية وتقديم المستندات المطلوبة، وليس أول من يهاجم من يطالب بها.

ولكن بدلًا من تقديم المستندات وإثبات الالتزام بدفتر الشروط، تم دفع القضية بسرعة نحو مسار سياسي، ثم نُقلت إلى مجلس الوزراء، قبل أن تتخذ منحى أكثر خطورة مع تحويلها إلى مسار أمني واستدعاء مشلب أمام مديرية المخابرات.

وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: كيف تحول طلب التحقق قبل الدفع إلى “تهديد للأمن القومي الاقتصادي”؟ وهل المطلوب من الدولة أن تدفع دون تحقق ودون مستندات، ثم تتحمل لاحقًا تبعات قانونية ومالية قد تضع لبنان أمام أزمات أكبر؟

الأمر الأكثر خطورة في هذا الملف ليس فقط التصعيد الإعلامي، بل تحويله من قضية رقابية ومالية إلى قضية أمنية. فبدلًا من معالجة أسباب التشدد الدولي أو استكمال المتطلبات المطلوبة، تم التوجه إلى ملاحقة من طالب بالتحقق، وكأن المشكلة في التحذير لا في الخلل.

بالإضافة إلى ذلك، يذهب بيان الوزارة إلى أبعد من الاتهام، حيث يدعي أن مشلب تسبب في تراجع تجاوب الشركات أو ترددها في التعامل مع الوزارة. غير أن هذا الادعاء يطرح بدوره سؤالًا مباشرًا: هل أصبحت الشركات ترفض التقدم لأن هناك من “راسل مصرفًا”، أم لأنها تخشى التحقق وتدرك أن أي شحنة غير مستوفية سيتم كشفها؟

فإذا كانت الشركات “الجدية” واثقة من سلامة أوراقها ومنشأ بضائعها، فلماذا تخاف من التحقق؟ ولماذا تعتبر أن وجود رقابة قانونية ومصرفية عائقًا أمام عملها؟ إن الشركة التي تملك مستنداتها كاملة لا تهرب من الامتثال، بل تتعامل معه كإجراء طبيعي. أما الخوف من التحقق، فهو بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة ليست في كاشف الفساد، بل في بيئة تريد استمرار العمل بالآليات القديمة: الدفع أولاً… والسؤال لاحقًا.

كما أن الادعاء بأن مشلب “يرهب الشركات” غير صحيح، إذ تم في الأشهر الأخيرة استيراد أكثر من 15 ناقلة غاز أويل ومازوت، ولم يتقدم مشلب بأي إخبار بشأنها لأن المنشأ معروف وغير مزور. وكل ما تقدم به هو 3 إخبارات بناقلات فيول أويل، ثبتت صحتها جميعًا.

وفي الختام، فإن إدخال الأجهزة الأمنية على خط ملف مالي-رقابي بهذه الحساسية لا يمكن اعتباره إجراءً عاديًا. فحين تتحول الرقابة إلى شبهة، وحين يصبح كاشف الفساد هو المستدعى لا أصحاب القرار، فهذا مسار يضع الدولة على سكة خطرة عنوانها ترهيب الأصوات بدل تصحيح المسار.

من هنا، لم تعد القضية مرتبطة بشخص فوزي مشلب، بل أصبحت اختبارًا لطبيعة إدارة الدولة: هل تُحمى الرقابة ويُصان التحقق قبل الدفع، أم يُستعمل الضغط لإسكات من يطالب به؟ أم أن الأمور ستصل إلى حد تدخل الخزانة الأميركية والاتحاد الأوروبي لحماية كاشف فساد، في ملف مرتبط بتجاوز العقوبات الدولية على النفط الروسي؟