
هم أصحاب قضية قومية تكاد تكون منسية. يواجهون الحياة بابتسامة، وينشدون الحرية، ويتركون منازلهم في يوم أربعاء من كل عام لتسكنها الملائكة. هم في الأصل أتباع “زرادشت”. يؤمنون بتعاليمه، ويجلّون الطبيعة، ويعملون بمقولة: “الفكر الحسن، القول الحسن، والعمل الصالح”. هؤلاء هم الكرد الذين تبعثر وجودهم في المحيط، وتنازعت أرضهم أربع دول: “تركيا، سوريا، إيران، والعراق”. لكنهم لم يستسلموا، بل قاوموا، وأسسوا حكماً ذاتياً في شمال شرق سوريا، وأقاموا حكماً ذاتياً في إقليم كردستان العراق، ويناضلون في إيران وتركيا وسوريا. العالم يتغير، وتكتل ضدهم، وهم صابرون. واليوم، بعد اشتداد المواجهة المتجددة حولهم في مناطق الحكم الذاتي في سوريا، توصلوا البارحة إلى اتفاق مع الحكومة السورية، وتنفسوا الصعداء في انتظار التفاصيل. والمرأة الكردية التي لا تشبه الأخريات في أدائها، ليست ولن تكون مجرد تفصيل. إليكم إحدى قصص النضال، قصة الكرد في هذه المنطقة، التي تستحق الدعم والسرد.
– نوال نصر
بالجدائل رأيناهنّ، نساء كرديات حوّلن شعرهنّ إلى جدائل دعماً لحملة الجدائل التي أُطلقت في العالم كردّ فعل على تطاير ضفيرة فتاة كردية قُتلت. الجدائل عند الأكراد هي رمز لقوة المرأة وعفتها، إنها جزء من ثقافتهم وهويتهم وجذورهم. حملات أخرى كثيرة جرت في الأسابيع الأخيرة، وكأن قراراً قد اتُّخذ بإبادة كردية جديدة في شمال شرق سوريا، وكان الخوف عظيماً.
في لبنان، المنهمك بألف ملف وقضية، وتحت وابل الانتظارات المصيرية، لم ينتبه كثيرون – أو لم يبالِ كثيرون – بالقضية الكردية. هنا، في لبنان، نعتبر الأكراد “حرفاً ناقصاً”، فئة أقل شأناً، وهذه مشكلة لدينا. فلنتعاطف على الأقل، فالتعاطف من صميم الإنسانية. فلننظر ولو مرة إلى هذه القضية بعينين وقلب ومنطق، ولنتعرف على أناسٍ يجاوروننا أسسوا على صخرة ويشبهون بصمودهم الجبال.
نوبهار مصطفى، مناضلة وناشطة نسائية كردية، من “روج آفا”، حنان عثمان، رئيسة لجنة المرأة في رابطة نوروز الثقافية الاجتماعية في لبنان، ورئيس الرابطة جمال الحسن، تحدثوا بقلب وعقل ومنطق عن ماضٍ وحاضر ومستقبل الأكراد في بلدهم المقطع الأوصال: كردستان.
فلنبدأ من اللحظة الراهنة، من الاتفاق الذي جرى بين قوات سوريا الديموقراطية “قسد” والحكومة السورية، والذي قد يجنب سفك المزيد من الدماء، وقيل إنه سيضمن دمج المؤسسات “التي تُعرف بالإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية”. فهل طمأن هذا الأكراد؟ تجيب الناشطة نوبهار مصطفى، الموجودة اليوم في بيروت وأهلها وناسها في منطقة شمال شرق سوريا: “صحيح أن الاتفاق قد يحمي أرواح المدنيين، لكننا ننتظر التفاصيل لمعرفة كيف سيتم التعامل مع المرأة التي ناضلت لتحقيق الإدارة الذاتية. هي نالت مكتسبات، تنشقت رائحة الحرية، دعمت، حاربت، اعتُقلت، ودفعت دماً وعرقاً لتحقيق إدارة الحكم الذاتي وتكريس دور المرأة فيه. فماذا سيكون دورها في مضامين الاتفاق الجديد؟ هذا هو السؤال، وهذا ما ستظهره الأيام المقبلة”. عساه خيراً.
ولكن، ألم تشارك نساء في المفاوضات بين الطرفين؟ تجيب نوبهار: “بلى، شاركت إلهام أحمد (المسؤولة في دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية)، لكن هذا الاتفاق أتى كفرض، لا توازن فيه، جرى تحت ضغط سعودي قطري أميركي تركي، بمعنى أنه إما الاتفاق أو المنطقة تتجه إلى حرب واسعة أكثر شمولاً. في كل حال، قيل لنا إن هناك تفاصيل، نحن ننتظر التفاصيل، ونضالنا مستمر لتعزيز الإدارات المحلية الواسعة الصلاحيات، والنساء لن يقبلن بأن يرجعن إلى العصور الوسطى”.
في لبنان، الوجود الكردي قديم، ووصل على موجتين، مع صلاح الدين الأيوبي في البداية، ثم خلال الحرب العالمية الأولى، بعدما قُسمت كردستان إلى أربعة أجزاء. ويوم انهارت الإمبراطورية العثمانية وتأسست الدولة التركية على أساس عرقي قومي، اضطهد الأكراد وأعدم قادتهم، وحدثت انتفاضات طالبت بوطن كردي. وتقول حنان عثمان: “الكل أسسوا قومياتهم ووحدهم الكرد خرجوا من المورد بلا حمص”. أتى الأكراد – مع الأرمن – إلى لبنان في القرن العشرين، وانتشروا في مناطق كثيرة، لكن ما حدث مع الأكراد أن لا أحد بالى بهم في لبنان. في كل حال، يقال إن 70 إلى 90 ألف كردي يعيشون هنا، ولا توجد أحزاب سياسية للأكراد بل جمعيات. ما يهم الكرد هو الحفاظ على اللغة والثقافة والقضية. حين أتى الأكراد، وصلوا مع الأرمن الذين اقتُلعوا أيضاً من أراضيهم، وتم احتضانهم أكثر من الكرد، ولم يتم النظر إلى الأكراد في لبنان كشعب قومي بل كسنة، وقيل لهم: الطائفة السنية مرجعيتكم، لكنهم بقوا مهمشين ومواطنين درجة ثانية.
نسأل عن معنى “نوروز”، الكلمة المعلقة في الردهة حيث نحن، فيجيب رئيس الرابطة جمال الحسن: معناها “اليوم الجديد”، والأكراد لم يتوقفوا يوماً عن الوثوق بأن يوماً جديداً ينتظرهم. ويقول الحسن: “عجينة الكرد مجبولة ببعضها. اضطُهدنا وطُردنا من أرضنا، وقسموها إلى أربعة أجزاء. يقال هناك جزء مع إيران فنجيبهم: لا، إيران سيطرت على جزء من أرضنا، إنها لنا ولن تكون إلا لنا. الوطن الكردي يمتد على مساحة 750 ألف كيلومتر، وممنوع علينا أن نتكلم بلغتنا في المحافل الرسمية في إيران، مع العلم أن اللغة الفارسية تستعير مفردات كردية. الرئيس محمد خاتمي الأسبق طرح مشروع دعم اللغة الفارسية بمفردات كردية لتنقية لغتهم، فهل تتصورين أنهم يفعلون هذا ويمنعون علينا الكلام بلغتنا؟”.
يرفض الأكراد تسميتهم في إيران والعراق وتركيا وسوريا “بالأقلية”، ويقول الحسن: “نحن في كردستان في أرض الأكراد، وأصحاب الأرض لا يمكن تصنيفهم بأقلية، هذا مصطلح سياسي. دولة العراق بنت الجمهورية الاتحادية أيام تشرشل، ومن يومها توجد كردستان، لكننا نسمع من يقول إن صدام حسين هو من أعطانا الأرض – أرضنا – لا، لم يعطنا أحد منحة. كردستان موجودة في بنيان الدولة العراقية، فقبل ظهور الدول القومية الحديثة لم تكن هناك دول عربية بل إمبراطوريات، وبعد الحرب ظهر مفهوم القوميات، وقبل ذلك كانت لدينا ككرد دولتنا وإمبراطوريتنا مثل العرب والفرس”.
وكأن الأكراد مصيرهم دائماً أن يكونوا كبش المحرقة: “فنحن من شاركنا في تأسيس تركيا الحديثة، لكن بعد إعلانها انقلبت علينا، وجزرت فينا بعدما نكلت بالأرمن مباشرة، وغدرت بحقوقنا. إيران فعلت نفس الشيء. إسقاط الشاه كان بمؤازرة القوات الكردية في كردستان إيران، لكن بعد نجاح الخميني انقلب علينا وعلى وعده لنا ببناء دولتنا الجديدة ذات الحكم الذاتي، ونعتونا في إيران بالكفرة والملحدين و…”.
نقاطع الحديث بسؤال: لماذا يستسهل الآخرون دائماً استغلال الأكراد، وهو ما يتكرر اليوم في شمال شرق سوريا؟ تجيب حنان عثمان: “الإنسان يتعلق دائماً بقشة. نحن كنا تحت إبرة الشعب الكردي. داعش يحوط بنا والدولة التركية تضربنا، بحثنا عن قشة تحمينا فتحالفنا مع الأميركيين، وهذا التحالف حمى الأكراد على مدى 14 عاماً. ونحن، طوال تاريخنا، حاولنا مدّ اليد إلى الدول المحيطة بنا، نادينا بأخوة الشعوب والديانات والعيش سوياً، لكنهم جميعاً طمعوا بنا لأن كردستان هي السلة الغذائية والنفطية والزراعية والجمالية والطبيعية، وهي الجبال والتضاريس والشلالات في أجزائها الأربعة. فيها خيرات هائلة، ولغة الجغرافيا ضربتنا، طريق الحرير يمر من أرضنا، والسكك الحديدية تمر من عندنا، حتى ممر داوود أيضاً، لا يكتمل أي مخطط إلا في أرض الكرد، لذلك يحاولون الاستفراد بنا للمضي بمخططاتهم”.
حين يبدأ المواطن الكردي بالكلام عن كردستان تتقدم كل مفردات العشق، إنهم يتحدثون عن رائحة الرمان والتفاح التي تفوح من أرضهم وكأنهم يتنشقونها، وهم يتحدثون عن مجازر تعرضوا لها في التاريخين القديم والحديث، وبينها “حلبجة”، وكأنها تتكرر اليوم. هو قدر بعض الشعوب على العيش أسرى المخططات الكبرى، وهي إرادة بعض الشعوب على كسر ظلامية من يخططون على حسابهم. هنا، نتذكر أن أكراد منطقة شمال شرق سوريا قاتلوا بشراسة ليحققوا إدارتهم الذاتية. نوبهار مصطفى على سبيل المثال اعتُقلت ثلاث مرات، وهي التي نشطت بداية من خلال اتحاد ستار الذي ساهم في تشكيل الوعي لدى النساء الكرديات، وهذا الوعي معدٍ، وعدواه أيقظت نساء كثيرات على حقوقهن، وهؤلاء تنشقوا رائحة الحرية العاقلة: “فالحرية إليهن هي الحياة، ولا حرية بلا فضيلة”.
حين نتحدث عن الأكراد نكثر من استخدام “نون النسوة” لأن المرأة هناك وقفت في صفوف المناضلين الأوائل وتقدمت، فنرى امرأة بضفيرتها، ونرى أباً يصنع لها الضفيرة. فكم جميل أن نتعرف إلى لغة الشعوب الثقافية والنضالية.
القضية الفلسطينية تتقدم دائماً، أما القضية الكردية فشبه غائبة، فهل التغييب مقصود؟ تجيب عثمان: “هذا لأننا لسنا محسوبين لا على العرب ولا على الفرس ولا على الأتراك، قوميتنا مستقلة، حتى في الإسلام لا يعترفون بنا، نحن ندعو إلى الشمس والطبيعة، لا تعصب في ديننا، والمرأة لديها مكانة مرموقة. كتابنا المقدس “الأفيستا”، نحن نتبع الديانة الزرادشتية التي اعتنقها الميديون والفرس القدماء، هناك أكراد أسلموا، لكن العرب لا يعترفون لا بإسلامنا ولا بحضورنا، لهذا غُيبت قضيتنا من أجل عدم إزعاج السلطات التركية”.
أكثر من سبعين مليون كردي في العالم، ومساحة أرض كردستان إذا عادت تزيد عن 75 ألف كيلومتر مربع. الولادات الكردية كثيرة لأنهم يعرفون أنهم يتعرضون لإبادات، إنهم يعيشون في الجبال ليقينهم أن ذلك يحميهم من نوايا الآخرين بإبادتهم. الشعب الكردي يقول: ليس لنا صديق إلا الجبال، ومعروف عنهم أنهم لا يقبلون الاستسلام.
هناك اليوم في شمال شرق سوريا، حيث الإدارة الذاتية للأكراد، نحو مليوني مواطن، أما الانتشار الكردي فهو على كامل مساحة سوريا: في الشام واللاذقية وحماة وحمص، إنهم يختارون عادة المناطق المرتفعة ليعيشوا، هو هاجس الإبادة يلازمهم. في كردستان إيران يوجد نحو 12 مليون كردي، وفي تركيا نحو 32 مليون كردي، وهذا العدد يزيد عن ثلث عدد الأكراد، واللغة الكردية ممنوعة، وكل من ينادي بالقضية الكردية هناك يُلاحق. الرئيس “عبدالله أوجلان” تكلم عن أحقية القضية وهو يستمر معتقلاً، وتركيا تضغط في جنبات العالم من أجل محو قضيتهم. في ألمانيا مثلاً ممنوع تسمية اسم “أزاد”، ويقدمون للأكراد لائحة بأسماء لا تمت إلى الأكراد لتسجيل ولاداتهم. في تركيا يسمون الأكراد أتراك الجبال المتخلفين، أما في إيران فكل يوم هناك إعدامات لأكراد، وهناك امرأة درّست اللغة الكردية في بيتها فأُعدمت.
الكلام بعد كثير، القضية كبيرة، المشمش العجمي والفستق الذي يقال إيرانياً هما من أرض كردستان الخصبة، وهؤلاء، أولاد القضية، يثقون أن ذات يوم سيحل الفجر الجديد.