
خلال جلسة مجلس النواب المخصصة لمناقشة مشروع موازنة العام 2026، صرح النائب راجي السعد بأن الإصلاح لا يقتصر على الشعارات أو إرضاء الخارج، بل هو قرار داخلي جريء يبدأ من الدولة، وتحديدًا من إصلاح القطاع العام قبل استهداف القطاع الخاص.
وأكد السعد أن الإصلاح يعني وقف سلفات الخزينة التي تصرف خارج الموازنة لضمان الشفافية، وتوسيع القاعدة الضريبية التصاعدية والانتقال من الضرائب غير المباشرة التي ترهق المواطنين إلى نظام ضريبي أكثر عدالة، بالإضافة إلى تحصيل الإيرادات المهدورة من الأملاك العامة البحرية والبرية والكسارات، والتي تقدر بمليارات الدولارات، بدلاً من تحميل العبء المالي للناس.
ورأى أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تطبيق قانون العام 2017 وإعادة هيكلة القطاع العام بما ينصف الموظف الكفوء، لا الإبقاء على ما وصفه بـ”مزرعة” تضم نحو 32 ألف وظيفة غير قانونية دخلت عبر السياسة، في وقت تُترك من دون معالجة، فيما يُظلم الموظفون والعسكريون برواتب محتسبة على سعر صرف 15 ألف ليرة. وتساءل: “هل هذا هو الإصلاح الذي وُعدنا به؟”.
كما شدد على أن تقديم “قطع حساب” مدقق يشكل ركنًا أساسيًا من أركان الإصلاح، معتبرًا أن دولة بلا حسابات منذ العام 1993 هي دولة فاقدة للمصداقية، متسائلًا عن مصير نحو 27 مليار دولار مفقودة، وعن رفض الدولة الاعتراف بأكثر من 50 مليار دولار ديونًا مثبتة في دفاتر مصرف لبنان، كما أكد حاكم المصرف المركزي. وأشار إلى أن أي مواطن مُلزم بتسديد ديونه، فيما الدولة ترفض حتى الاعتراف بها.
واعتبر السعد أن الحقيقة المرة تكمن في أن القطاع العام المترهل هو المسؤول الأول عن انهيار القطاع الخاص وضياع أموال الناس، نتيجة سوء الإدارة والتوظيف العشوائي والسياسات المالية الفاشلة، معتبرًا أن الحكومة تتهرب من معالجة أصل المشكلة عبر ملاحقة القطاع الخاص المنتج وتحميله كلفة فشل الدولة.
وتوجه إلى رئيس الحكومة قائلًا إن تكرار كلمة “إصلاح” في الخطابات لا يكفي، لأن الإصلاح ليس شعارًا بل مسار عملي، وكان يجب أن يبدأ من القطاع العام لا من الهجوم على القطاع الخاص. وانتقد موازنة تعتمد بنسبة 82% على الضرائب مقابل 11% فقط للاستثمار، معتبرًا أن الحكومة تتصرف كصاحبة مصلحة صغيرة تجيد الجباية وتفشل في التنظيم والتخطيط، وتسأل كيف تؤمّن “غلّة” اليوم بدل أن تسأل كيف يعيش المواطن.
وفي معرض انتقاده، قال السعد إن “الدكنجي إذا ربح بيعمّر بيتو وإذا خسر بيسكّر وبيفلّ، لكن الدولة ليست كذلك”، معتبرًا أن الدولة هي العقد الذي يربط المواطن بأرضه، وهي الهيبة والقانون والمؤسسات التي تحمي الجميع وتؤمّن العدالة والازدهار والإنماء المتوازن.
وأشار إلى أنه عند دخوله المجلس النيابي كان يطمح إلى مناقشة موازنات حقيقية لوزارات الشباب والرياضة، والتكنولوجيا والأبحاث، والتربية والتعليم العالي، والصناعة والزراعة والاقتصاد والسياحة، بهدف دعم الشباب، وتطوير الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، وتحسين التعليم، وتعزيز الإنتاج والصادرات، لكنه فوجئ بأن النقاش يدور حول “موازنة دكانة” لا أكثر.
كما طرح السعد أسئلة إنمائية مباشرة، من بينها ما يمنع الاستثمار بالحد الأدنى في طريق الشام لتمكين أهالي عاليه والجبل من العودة إلى قراهم، منتقدًا رصد 248 مليون دولار فقط لوزارة الأشغال رغم حاجتها إلى 848 مليون دولار لترميم “طرقات الموت”، معتبرًا أن المواطن غير مسؤول عن الطرق المحفورة فيما الدولة مسؤولة عنها.
وشدد على أن الإصلاح يشمل أيضًا تعزيز الهيئات الرقابية التي بلغ الشغور فيها نحو 80%، معتبرًا أن تعطيل الرقابة هو قرار بترك البلد للفساد، منتقدًا تعيين المحاسيب في بعض المؤسسات، ومؤكدًا أن لجنة المال والموازنة اضطرت إلى نقل اعتمادات لدعم الهيئات الرقابية كي تتمكن من مراقبة القطاع العام.
ودعا إلى إنفاق استثماري فعلي في البنى التحتية، ولا سيما إصلاح طريق الشام وفتح آفاق الترانزيت، بدل إعادة إحياء مراسيم قديمة لمصالح ضيقة، معتبرًا أن النقد الذي يوجهه هو نقد بناء نابع من الحرص على العهد، ومؤكدًا ثقته برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ودعمه للحكومة التي منحها الثقة، مع الرهان على تغيير الأداء.
واختتم السعد بالقول إن القطاع الخاص اللبناني هو الضحية لا الجلاد، وإن صوته هو “صرخة ضمير” لمعالجة أصل المشكلة في القطاع العام، معتبرًا أنه لا قيامة للبنان من دون حسابات مدققة، ولا من دون إعادة هيكلة جذرية للإدارة وتطبيق قانون 2017، ولا من دون قضاء يحاسب من ضيع المليارات، رافضًا أن يكون شاهد زور على موازنة “تفقير لا تطوير”، ومشددًا على أن استعادة الثقة تبدأ بإعادة ثقة الناس بالدولة قبل أي شيء آخر.