
حسن فقيه – المدن
“هل وقع الخلاف بين حركة أمل وحزب الله حول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؟” وأين بدأ التباين في وجهات النظر؟ وما هي سلسلة النقاشات التي أفضت اليوم إلى بازار من الأسماء لم يصل بعد إلى خواتيمه السعيدة؟
ولعلّ البدء بسردٍ موجز يوضّح ويوصّف الإشكال الحاصل ويساعد على فهم الصورة الكاملة.
بعد تغييب الإمام موسى الصدر، مؤسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ورئيسه، تولّى الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئاسة المجلس في العام 1994. وبعد وفاته، بقي منصب الرئيس شاغراً، إذ كان الشيخ عبد الأمير قبلان يتولّى مهام نائب الرئيس.
هنا بدأت الحكاية، إذ جرى انتخاب الشيخ عبد الأمير قبلان، وهو رئيس الهيئة الشرعية في حركة أمل، رئيساً للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من قبل الهيئة الشرعية، كما جرى انتخاب الشيخ علي الخطيب نائباً للرئيس من قبل الهيئتين الشرعية والتنفيذية. وفي تلك المرحلة، تم تعديل القانون بحيث حُدّدت الولاية بست سنوات.
بعد وفاة الشيخ عبد الأمير قبلان في 4 أيلول 2021، تولّى نائبه الأول الشيخ علي الخطيب مهام الولاية، التي انتهى تاريخها لاحقاً، ما جعله فاقداً للشرعية القانونية. ومع ذلك، استمرت الأمور تسير بشكل اعتيادي، إلى أن بلغ الخلاف حدّه الأقصى بين الشيخ الخطيب ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
هذا الخلاف فتح الباب مجدداً أمام ضرورة تصحيح المسار القانوني، عبر انتخاب رئيس ونائب رئيس جديدين للمجلس، وهو ما يستدعي تمديداً جديداً للهيئتين الشرعية والتنفيذية.
التعديلات القانونية ومسار الانتخاب
وفق القانون المُرسل إلى مجلس النواب، والذي كان مدرجاً على جدول أعمال لجنة الإدارة والعدل الأسبوع الفائت، فإن التعيين سيكون للهيئة الشرعية، في حين سيتم تعيين الهيئة التنفيذية. كما طُرح اقتراح قانون يتعلق بالهيئة العامة التي تنتخب الهيئة الشرعية.
في السابق، كانت الهيئة العامة تتألف من جميع رجال الدين، بينما يقضي التعديل المقترح بمنح حق الانتخاب لمن هم فوق سن الخمسين. وبعد ذلك، يتم انتخاب الهيئة التي ستجتمع بدورها لانتخاب رئيس المجلس، فيما تقوم الهيئتان الشرعية والتنفيذية بانتخاب النائب الأول والنائب الثاني والأمين العام.
وعليه، فإن إقرار اقتراح تعديل القانون في مجلس النواب سيطلق عملياً مسار الانتخابات.
بين بحسون وصادق والخطيب
النقاشات بين حركة أمل وحزب الله لم تُفضِ حتى الآن إلى نتيجة نهائية. وكانت “المدن” قد ذكرت سابقاً، نقلاً عن معلوماتها، أن لجنة ثلاثية مؤلفة من الشيخ أحمد قبلان، والنائب قبلان قبلان، والنائب حسن فضل الله، تتابع الملف.
في بداية المشاورات، بدا اسم إمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق الأوفر حظاً والأقرب للتوافق الا أن مصادر “المدن” أشارت إلى أن عامل السن يلعب دوراً سلبياً في هذه المسألة. في المقابل، أيدت حركة أمل ترشيح الشيخ علي بحسون لتولي المنصب، وهو وكيل المرجع الشيخ بشير النجفي، إلا أن حزب الله رفض هذا الخيار.
اقترح حزب الله أنه في حال تولّي الشيخ علي بحسون رئاسة المجلس، يكون الشيخ علي الخطيب نائباً للرئيس. غير أن الخطيب اشترط في هذه الحالة صلاحيات تنفيذية وتقريرية، إضافة إلى مقر مستقل في الحازمية، ما يعني عملياً وجود مجلسين:
الأول على طريق المطار محسوب على حركة أمل، والثاني في الحازمية محسوب على حزب الله.
هذا الاقتراح قوبل برفضٍ مطلق من الرئيس نبيه بري، ما أدى إلى تجميد الأمور ومراوحتها مكانها، وسط تباعد ملحوظ في وجهات النظر. «كما علمت المدن أن الشيخين قاسم قبيسي ومحمد عسيران قد طرحا نفسيهما لتولّي المنصب.»
ووفق معلومات “المدن”، كان الشيخ أحمد قبلان مرشحاً يتمتع بحظوظ وافرة، إلا أنه رفض تولّي المنصب، نظراً إلى أن تسلّمه رئاسة المجلس لمدة ست سنوات يفرض عليه التخلي عن منصب المفتي الجعفري الممتاز، وهو منصب غير محدد زمنياً. ومع رفضه، جرى التوافق عليه كمشرف على المسألة.
جولات وإطلالات لافتة
ولوحظ خلال الأيام الماضية، وللمرة الأولى منذ اندلاع حرب الإسناد، ثم معركة “أولي البأس”، قيام الشيخ علي الخطيب بزيارة إلى الجنوب عقب الغارات الأخيرة، واطمئنانه على أوضاع الجنوبيين وأرزاقهم، وسط مواكبة إعلامية من قنوات المنار، الميادين، وLBCI، في مقابل غياب قناة NBN.
ويُقرأ هذا الغياب كإشارة واضحة إلى العلاقة السلبية التي تربط الرئيس نبيه بري بالشيخ الخطيب والأول لطالما رفض استقبال الثاني رغم تقديم طلبات عدة في هذا الشأن. كما أن ظهور الخطيب الأخير في اللقاء التضامني مع إيران، وكلمته التي ألقاها، بدت وكأنها ترسيخ من جانب حزب الله لمكانة الرجل، رغم إدراكه بأنه لا يملك حظوظاً فعلية لتولي رئاسة المجلس. وعلمت “المدن” أن أحد القياديين في حزب الله قال “لو أردنا إختيار شخص بمواصفات مثالية لنا لما وجدنا كالشيخ الخطيب، كما أن الحزب كان قد قام بترميم مقر المجلس بالحارة بطلب من الخطيب، وطلباته دائماً مجابة.
تعقيد متزايد ومشكلة نائب الرئيس
مصادر في أجواء المجلس قالت لـ”المدن” إن الزيارة والإطلالة الإعلامية لا تنفصلان عن النقاشات الدائرة، وإن حزب الله يدفع باسم الشيخ الخطيب في مواجهة خيار حركة أمل. كما أن اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس نبيه بري بالشيخ أحمد قبلان، كان خلاله ملف المجلس طبقاً رئيسياً على مائدة النقاش.
ووفق المعلومات أيضاً، فإن الملف تعقّد أكثر، والتباعد في وجهات النظر مستمر، وقد تكون المعضلة الحقيقية ليست في اسم رئيس المجلس فقط، بل في اسم نائب الرئيس أيضاً، وهي إشكالية قد تفوق الأولى أهمية في مراحل لاحقة. فالحزب يريد تسمية نائب الرئيس والمشاركة في تسمية الرئيس وهو ما أمر ترفضه الحركة.
هل يعكس الخلاف تبايناً أوسع؟
في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة على الطائفة الشيعية، يبرز ملف انتخاب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كمظهر واضح لحالة تباين بين حركة أمل وحزب الله. فهل يعكس هذا التباين اختلافاً أوسع في الملفات الوطنية والإقليمية؟
الحقيقة أن هذه السجالات في الشؤون الداخلية للطائفة ليست جديدة، ولا يمكن البناء عليها أو تكريسها وكأنها ستؤدي إلى ضعضعة التوافق الشيعي – الشيعي، الذي يُعدّ خطاً أحمر للطرفين. فالاختلاف الداخلي كان دائماً موجوداً، إذ إن حركة أمل وحزب الله، وعلى الرغم من الأخوة والثنائية والعديد من القواسم المشتركة، يبقيان تنظيمين لكل منهما رؤيته وأيديولوجيته الخاصة.