
تتزايد المعطيات التي تشير إلى أنّ الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران خلال الأسابيع الماضية خلّفت حصيلة بشرية مرعبة، وسط فجوة هائلة بين الرواية الرسمية الصادرة عن السلطات في طهران، وبين ما تنشره منظمات حقوقية وتقارير إعلامية غربية، في ظلّ تعتيم مشدّد وقيود صارمة على تدفّق المعلومات من داخل البلاد.
أرقام “مؤكدة” وأخرى قيد التدقيق
في أحدث تقاريره، أعلن مركز نشطاء حقوق الإنسان في إيران (HRANA)، ومقرّه الولايات المتحدة، أنّ عدد القتلى المؤكّدين نتيجة القمع الأمني بلغ 5,459 شخصًا، معظمهم من المتظاهرين.
غير أنّ المركز شدّد على أنّ هذه الأرقام لا تعكس الحجم الكامل لما جرى، إذ لا تزال أكثر من 17 ألف حالة وفاة قيد التحقق والتدقيق، بسبب صعوبة الوصول إلى المعلومات وانقطاع الاتصالات في العديد من المناطق.
وبحسب HRANA، فإن جمع الأرقام المؤكدة مع الحالات غير المحسومة يرفع التقدير الإجمالي للضحايا إلى نحو 22,490 قتيلًا، في واحدة من أعنف موجات القمع التي شهدتها إيران في تاريخها الحديث.
أخطر المعطيات: أكثر من 30 ألف قتيل خلال يومين؟
التحوّل الأخطر في الأرقام جاء عبر تسريبات من داخل النظام الصحي الإيراني، نقلتها مجلة Time الأميركية عن مصدرين رفيعين في وزارة الصحة الإيرانية.
ووفق هذه الشهادات، التي جُمعت من تقارير أطباء ومسعفين ميدانيين ثم جرى تحليلها من قبل طبيب إيراني مقيم خارج البلاد، فإن يومي 8 و9 كانون الثاني فقط شهدا مقتل أكثر من 30 ألف شخص خلال قمع الاحتجاجات.
هذا الرقم، إن صحّ، يتجاوز بأضعاف كل التقديرات السابقة، ويطرح أسئلة خطيرة حول ما جرى خلال تلك الفترة التي تزامنت مع قطع واسع للاتصالات وفرض رقابة شبه كاملة على الإعلام.
تقديرات تتجاوز 33 ألف قتيل
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة Daily Mail البريطانية عن طبيب إيراني مقيم في الخارج تقديرات تفيد بأن عدد القتلى الإجمالي خلال فترة الاحتجاجات تخطّى 33 ألف شخص، ما يعزّز الشكوك حول الحجم الحقيقي للخسائر البشرية.
عشرات آلاف الجرحى… واستهداف العيون
ولا تقتصر الأرقام على القتلى، إذ تشير التقديرات إلى نحو 100 ألف جريح، في مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من العنف.
وتوقفت تقارير حقوقية عند معطى بالغ الخطورة، يفيد بأن نحو 30% من المصابين تعرّضوا لإصابات مباشرة في العيون، ما اعتُبر دليلًا على استخدام ممنهج للقوة المميتة واستهداف مناطق حسّاسة من أجساد المتظاهرين.
الرواية الرسمية… أرقام أقلّ بكثير
في المقابل، تواصل السلطات الإيرانية التمسّك بروايتها الرسمية، مؤكدةً أنّ عدد القتلى لم يتجاوز 3,117 شخصًا، في ما تصفه بـ“أعمال شغب”، وهو رقم يقلّ بشكل جذري عن تقديرات المنظمات الحقوقية والتقارير الإعلامية الدولية.
فجوة الأرقام… وتعتيم ممنهج
ويرى مراقبون أنّ التضارب الحاد في الأرقام لا يعكس فقط اختلافًا في منهجيات الإحصاء، بل يشير إلى سياسة تعتيم ممنهجة تهدف إلى السيطرة على السردية الرسمية، ومنع تكوّن صورة دقيقة عن حجم ما جرى، في ظل غياب أي آلية مستقلة للتحقق داخل إيران.
وبين أرقام رسمية محدودة، وتسريبات تتحدث عن عشرات آلاف الضحايا، يبقى السؤال الأكبر معلّقًا: كم عدد القتلى الحقيقي؟ وماذا تخفي الأيام التي أُغلقت فيها إيران على نفسها بالكامل؟