انقلاب دراماتيكي يُعيد "قسد" إلى معقلها الأخير

جواد الصايغ – نداء الوطن

شهدت عطلة نهاية الأسبوع الماضي، انقلابًا دراماتيكيًا في المشهد السوري بعد اندلاع معارك عنيفة في المناطق التي تتواجد فيها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) غرب نهر الفرات وشرقه، أرغمتها على سحب قواتها نحو أقصى المناطق التي تسيطر عليها في شمال شرق سوريا، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة التفاهمات القائمة وتعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.

هذه المواجهات لم تكن معزولة عن السياق العام، بل جاءت في ظل مساعٍ سياسية متعثرة واتفاقات لم يُكتب لها الاستمرار، فاتفاق 10 آذار بوصفه محاولة لاحتواء التوتر وفتح باب للتفاهم بين الأطراف المعنية، يبدو أنه لم يكن الوصفة السحرية لمعالجة المعضلة السورية، فهذا الاتفاق الذي تم التوقيع عليه منذ 10 شهور سرعان ما اصطدم بعقبات داخلية حالت دون دخوله حيّز التنفيذ الفعلي.

المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، وتحديدًا في حلب، كانت “قسد” قد دخلتها تزامنًا مع سقوط نظام الأسد، فغرفة العمليات العسكرية التي أطلقت عملية “ردع العدوان”، لم تكن تتمتع بقدرة بشرية كبيرة تخوّلها التمدّد إلى كامل الجغرافيا السورية، الأمر الذي استغلّته “قسد” لتبسط سيطرتها على مناطق واسعة كانت خارجة عن نطاق تموضعها الأساسي منذ تأسيسها. وفي دير الزور والرقة، استفادت “قسد” من محاربتها لتنظيم “داعش” تحت راية التحالف الدولي، فتمكّنت منذ عام 2018 من وضع هذه المناطق تحت سيطرتها، رغم أن الغالبية السكانية تتألّف من المكوّن العربي.

وبحسب معلومات خاصة، فإن أكثر من رسالة وصلت إلى قيادة “قسد” منذ ستة أشهر، تفيد بأن الجغرافيا التي يسيطر عليها الكرد تفوق بكثير حجمهم الديموغرافي، وذلك بسبب وجود غالبية من المكوّن العربي في تلك المناطق، ولا سيّما في شرق حلب، والرقة، وحتى شرق دير الزور. هذه الرسائل كانت تُقابل بقناعة لدى الكرد بأن الانتشار الميداني الواسع قد يمنحهم أوراق قوة إضافية، سواء على الأرض أو على طاولة المفاوضات. توازيًا، عملت القوى الكردية على تحصين مواقعها في منطقة شرق الفرات، مدفوعة بهاجس الحفاظ على مكتسباتها العسكرية والسياسية.

وقد شمل هذا التحصين تعزيز الانتشار والسيطرة في مناطق حساسة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها استعداد لمرحلة تفاوضية أكثر تعقيدًا. ووسط هذه الظروف، كان الهدف الأساسي لـ “قسد” يتمثل في الحصول على مكتسبات في محافظة الحسكة في نهاية المطاف، نظرًا إلى التواجد الكردي الكبير فيها، لكن مطالب “قسد” السابقة المتعلّقة بالاندماج كفرق في الجيش والحصول على مناصب رفيعة في الدولة وحصص نفطية، لم تعد قابلة للتحقق مع خسارتها الكبيرة على الأرض، وتراجعها إلى المعقل الأخير. ولذلك، فإن اللامركزية الإدارية وفق الظروف الحالية وضمن مناطق محدّدة، قد تكون أقصى المطالب التي يمكن لدمشق الموافقة عليها.

في هذا السياق، يمكن فهم التحركات الكردية على أنها محاولة مزدوجة: فمن جهة، السعي إلى تحصين الحقوق السياسية والعسكرية التي تحققت خلال السنوات الماضية. ومن جهة أخرى، تقوية الموقع التفاوضي في أي تسوية مستقبلية محتملة. إلّا أن هذا النهج تبيّن أنه لم يخلُ من المخاطر، خصوصًا في ظل التركيبة السكانية المعقدة للمناطق التي تسيطر عليها “قسد”، فالعشائر العربية بواسطة ما يُعرف بالخلايا والمجموعات النائمة، تحركت فور انطلاق المعارك لتنفذ انقلابًا من الداخل تمكّنت عبره من السيطرة على مناطق عدة شرق الفرات، وسط تراجع كبير لـ “قسد”.

على المقلب الآخر، كان الجيش السوري يسابق الزمن لتحقيق مزيد من السيطرة على الأرض، بدعم من الجارة تركيا، فالأخيرة تنظر إلى المسألة الكردية في سوريا على أنها مسألة أمن قومي تركي، وتخشى أن تكون هناك ارتدادات لأي حدث في المناطق التي تتواجد فيها “قسد” على الداخل الكردي في تركيا، فحصول “قسد” على فدرالية قد يدفع بالكرد في تركيا إلى المطالبة بفدرالية لهم.

الاندفاعة السورية الكبيرة المدعومة تركيًا والتي بات يُراد منها السيطرة حتى على معقل الكرد في الحسكة، إذا كانت الظروف مؤاتية، ستنتظر من دون أدنى شك القرار الأميركي. فللمرّة الأولى منذ وصول أحمد الشرع إلى دمشق، خرجت تهديدات أميركية بإعادة فرض عقوبات “قانون قيصر” على الحكومة السورية في حال استمرار المواجهة، لكن هذه التهديدات قد تبقى حبرًا على ورق، خصوصًا بعد تمكّن الجيش السوري من تحقيق تقدّم كبير توازيًا مع انقلاب عشائر عربية على “قسد” داخل شرق الفرات وتبعثر قواتها. ولهذا، يُمكن القول إن الأميركيين سيتعاطون مع الواقع الميداني على الأرض في النهاية.

اتفاق 10 آذار كان بمثابة المشكلة والحل في آن واحد، لأن هذا الاتفاق وبحسب المعلومات أيضًا، تم التوقيع عليه على عجل لحجب الأنظار يومها عمّا حدث في منطقة الساحل السوري، حتى أن بعض قيادات “قسد” لم تكن على معرفة مسبقة بأن قائد “قسد” مظلوم عبدي ذاهب إلى دمشق للتوقيع، الأمر الذي أثار تحفظات داخلية وأسهم في إفراغ الاتفاق من مضمونه، ما جعله عمليًا وكأنه لم يكن، ثمّ أن الاتفاق نفسه لم يتضمن شرحًا تفصيليًا عن آلية الدمج وحقوق الكرد، وإنما مبادئ عامة، وأيضًا هو كان الحل في الوقت نفسه لأنه لا بد في نهاية المطاف من التوقيع على اتفاق يضمن استقرار سوريا.