
:
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، يشهد لبنان فعلياً بداية العد التنازلي، ليس نحو الانتخابات، بل نحو أزمة دستورية وسياسية، تتصدرها الحكومة بتقاعسها عن القيام بواجباتها. فبدلاً من أن تتولى الحكومة، بقيادة نواف سلام، زمام الأمور وتفعيل المسار القانوني في الوقت المحدد، يبدو أنها تتعامل مع الملف بأسلوب المماطلة، مما يهدد بتأجيل الانتخابات.
القانون واضح ولا يسمح بالالتفاف عليه أو تأويله. فقانون الانتخابات رقم 44/2017 يفرض على الدولة إصدار مرسوم دعوة الناخبين ونشره في الجريدة الرسمية قبل 90 يوماً على الأقل من موعد الانتخابات. وهذا يعني، عملياً، أن الدعوة يجب أن تصدر قبل 10 شباط 2026، وهو التاريخ المحدد لبدء الترشح، على أن ينتهي في 10 آذار 2026. وبالتالي، لم يعد الأمر مجرد مسألة سياسية قابلة للنقاش، بل التزاماً قانونياً، وأي تأخير يعتبر مخالفة صريحة تعرض العملية الانتخابية بأكملها للخطر.
على الرغم من وضوح النصوص، يزداد الوضع تعقيداً مع عودة ملف انتخاب المغتربين و”الدائرة 16″ إلى الواجهة. حتى الآن، لم تحسم الحكومة آلية الترشح في الخارج، ولا طريقة التصويت، ولا كيفية توزيع المقاعد الستة على الطوائف، ولا النظام الانتخابي الذي سيطبق في هذه المرحلة، سواء كان نسبياً أو أكثرياً. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الملف من مسألة تنظيمية إلى قنبلة سياسية تهدد العملية الانتخابية برمتها.
الأخطر من ذلك، أن القانون نفسه يحدد بوضوح الجهة المسؤولة. فالمادة 124 تنص على أن “تُحدد دقائق تطبيق هذا القانون بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الداخلية والبلديات”. وهذا يعني أن مجلس الوزراء، برئاسة نواف سلام، هو الجهة الملزمة بإصدار المراسيم التنفيذية والمسؤولة عن تفعيل الآليات اللازمة.
ومع ذلك، لا يزال مجلس الوزراء عاجزاً عن اتخاذ قرار بشأن آلية الترشح والانتخاب في الخارج، بينما لم يتبق سوى 23 يوماً على بدء الترشح، مما يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لا يمكن التنصل منها.
وفي هذا السياق، صرح وزير الداخلية أحمد الحجار سابقاً بأن هدفه هو “الالتزام بالمهل التي يفرضها قانون الانتخابات”، وأوضح أن “الكلمة الفصل” في الاقتراح الذي سيقدمه بناءً على تقرير اللجنة التقنية ستكون لمجلس الوزراء، إما عبر إصدار المراسيم التطبيقية أو اعتبار أن هذه التفاصيل تحتاج إلى تشريع من المجلس النيابي. هذا الطرح يفتح الباب أمام مشكلة إضافية، لأن القانون الحالي لا يعتمد على الاجتهادات السياسية، بل يفرض مساراً تنفيذياً واضحاً ويلزم الحكومة بتطبيقه ما لم يتم تعديله بشكل رسمي.
في ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن “تأجيل تقني” أمراً مرجحاً. فهو في الأساس محاولة لتعطيل العملية الانتخابية، لأن التأجيل التقني يستلزم وجود عائق لوجستي كبير يمنع التنفيذ، بينما تشير الوقائع إلى أن العائق الرئيسي هو سياسي وإداري: التخلف عن إصدار المراسيم في الوقت المحدد، ثم ترويج فكرة أن الوقت لم يعد كافياً، وكأن الدولة تخلق الأعذار لنفسها.
من الطبيعي أن تواجه انتخابات بهذا الحجم تحديات تنظيمية، ولكن ما يزيد الشكوك هو أن الحكومة تجد الوقت لعقد جلسات وإجراء تعيينات وفتح ملفات إدارية مختلفة، بينما تتقاعس عن إنجاز استحقاق دستوري بحجم الانتخابات ضمن مهلة قانونية ملزمة. هذا يشير إلى أن المشكلة ليست في الوقت، بل في الأولويات، وأن إدارة الدولة تقتصر على التعيينات بينما تبقى الديمقراطية معلقة.
حتى النقاش حول إرسال الحكومة مشروع قانون لتعديل قانون الانتخابات لا يغير شيئاً من الواقع القانوني الحالي. فما لم يتم تعديل القانون في مجلس النواب وإقراره ونشره، تبقى الحكومة ملزمة بتطبيق القانون الحالي كما هو، ولا يمكنها استخدام المشاريع المستقبلية لتبرير التعطيل أو كسب الوقت.
بناءً على ذلك، تقع المسؤولية الأولى على الحكومة ورئيسها نواف سلام، الذي يفترض أن يكون حريصاً على احترام المهل وليس سبباً في التأخير. إما أن تطبق الدولة القانون وتدعو الناخبين في غضون 90 يوماً وتطلق العملية الانتخابية، أو أنها تفتح الباب أمام أزمة جديدة عنوانها تأجيل الانتخابات بحجة “التقنية”، بينما الحقيقة هي عجز سياسي أو قرار غير معلن.
مع اقتراب الموعد النهائي، يبقى السؤال: هل تتحمل حكومة نواف سلام مسؤوليتها وتنفذ القانون الحالي في الوقت المحدد؟ أم أننا سنشهد سيناريو مألوفاً: تعطيل ثم تبرير، وتأجيل ثم تسوية، ولبنان يدفع مرة أخرى ثمن دولة لا تلتزم بقانونها؟
روزنامة المهل الانتخابية الأساسية (انتخابات 10 أيار 2026):
- 20 تشرين الثاني 2025: آخر مهلة لتسجيل غير المقيمين
- 10 كانون الأول 2025: استقالة موظفي الفئة 1 و2 والعسكريين للترشح
- 12 كانون الأول 2025: تعيين رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات
- 1 شباط 2026: تعيين لجان القيد الابتدائية والعليا
- 1 شباط 2026: بدء فترة تصحيح سجل الناخبين
- 10 شباط 2026: دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشح
- 20 شباط 2026: انتهاء مهلة تصحيح القوائم لغير المقيمين
- 1 آذار 2026: انتهاء مهلة تصحيح القوائم للمقيمين
- 10 آذار 2026: إقفال باب الترشح
- 10 آذار 2026: انتهاء فترة تدقيق سجلات الناخبين
- 26 آذار 2026: آخر مهلة للرجوع عن الترشح
- 30 آذار 2026: إصدار القوائم الانتخابية النهائية وتجميدها
- 1 نيسان 2026: آخر مهلة لتسجيل اللوائح
- 11 نيسان 2026: تعيين مراكز وأقلام الاقتراع في الخارج
- 21 نيسان 2026: تعيين مراكز وأقلام الاقتراع في لبنان
- 30 نيسان 2026: بدء فترة حظر نشر استطلاعات الرأي
- 1 أيار 2026: موعد انتخابات غير المقيمين يوم الجمعة
- 3 أيار 2026: موعد انتخابات غير المقيمين يوم الأحد
- 7 أيار 2026: اقتراع موظفي الانتخابات الرسميين في لبنان
- 8 أيار 2026: بدء الصمت الانتخابي
- 10 أيار 2026: موعد الانتخابات على الأراضي اللبنانية
- 12 أيار 2026: بدء فترة تقديم الطعون الانتخابية لمدة شهر
- 11 حزيران 2026: آخر مهلة لتقديم حساب الحملة الانتخابية.