
عاد ملف الإيجارات القديمة في لبنان ليحتلّ صدارة النقاش العام، لا كقضية قانونية فحسب، بل كأزمة تمسّ أخطر مفصلين في حياة اللبنانيين اليوم: السكن والعمل. ففي بلد يرزح تحت انهيار اقتصادي غير مسبوق، يخشى المستأجرون أن تتحوّل المهل القانونية إلى قرارات إخلاء قسرية تهدّد آلاف العائلات، فيما يرى المالكون أنّ ممتلكاتهم بقيت لعقود رهينة بدلات مجمّدة لا تعكس أي عدالة أو واقع اقتصادي.
وبين هذين الطرفين، تقف الدولة في موقع العجز والارتباك: قوانين موجودة، نعم، لكن تطبيقها يصطدم بآليات ناقصة وكلفة اجتماعية قد تشعل الشارع.
الإيجارات السكنية القديمة: قانون بلا شبكة أمان
في جوهره، يقوم قانون الإيجارات السكنية القديمة، الصادر عام 2014 والمعدّل عام 2017، على إنهاء تدريجي لنظام ضبط الإيجارات. ويقضي هذا المسار بإلغاء العقود القديمة على مدى تسع سنوات، مع إمكان تمديدها إلى اثنتي عشرة سنة في حالات محددة، بالتوازي مع رفع تدريجي للبدلات وصولًا إلى ما يُسمّى “البدل العادل”.
لكن هذه الآلية لم تُصمَّم على أساس الزيادة وحدها. فالقانون ربط هذا الانتقال بإنشاء صندوق دعم المستأجرين ذوي الدخل المحدود لتخفيف أثر الزيادات ومنع التهجير. وهنا تحديدًا تكمن العقدة: الصندوق لم يعمل كما يجب، وآلياته بقيت معلّقة أو متعثّرة، ما حوّل القانون من أداة تنظيم إلى قنبلة اجتماعية مؤجّلة.
28 شباط 2026… تاريخ يقلق الشارع
مع اقتراب مواعيد مفصلية، تصاعد القلق الشعبي، ولا سيما مع تداول تاريخ 28 شباط 2026 كنهاية محتملة لما يُسمّى “مهلة الإشغال” في بعض التفسيرات القانونية. وبغضّ النظر عن الجدل حول دقة هذا الموعد وآليات تطبيقه، فإن مجرد تداوله كافٍ لإشاعة الخوف من موجة إخلاءات واسعة في ظل غياب أي بديل سكني أو دعم اجتماعي.
في المقابل، برزت دعوات من لجان تمثيلية للمستأجرين تحثّ من يعتبر نفسه مستفيدًا من القانون على التقدّم بطلبات رسمية ضمن المهل، ما يعكس تحوّل الملف من شعار سياسي إلى معركة إدارية وقضائية تتعلّق بالأهلية واللجان والبتّ النهائي.
الإيجارات غير السكنية: معركة الأسواق والمهن
لم يقتصر الاشتباك على السكن. فالإيجارات غير السكنية، التجارية والمهنية، عادت بقوة إلى الواجهة بعد التعديلات التي أُقرّت عام 2025، والتي أعادت خلط الأوراق بين المالكون والمستأجرين التجاريين.
هذا المسار شهد محطات متلاحقة:
- إقرار قانون جديد
- تقديم طعون أمام المجلس الدستوري
- قرار بردّ الطعن مع إبطال جزئي
- تعديل لاحق خفّض النسبة المرجعية لاحتساب “بدل المثل” من 8% إلى 5%
- ثم نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 21 آب 2025 وتثبيت نفاذه بعد انقضاء مهلة الطعن
هذه التطورات أثارت مخاوف أصحاب المؤسسات الصغيرة والمهن الحرة، الذين يرون في الزيادات تهديدًا مباشرًا لاستمراريتهم، وقد تؤدي إلى إقفال محال تاريخية ونزوح اقتصادي من الأسواق التقليدية.
في المقابل، يتمسّك المالكون بشعار حق الملكية وضرورة تصحيح بدلات يرون أنها لم تعد تمتّ إلى الواقع بصلة.
حتى الدولة في قلب النزاع
ولم يتوقف الجدل هنا. فقد دخلت الدولة نفسها على خط النزاع بصفتها مستأجرًا في عدد من المباني الخاضعة لعقود إيجار قديمة غير سكنية، ما فتح باب التساؤلات حول مصير هذه العقود، وانعكاسها على الإنفاق العام وسياسات الدولة العقارية.
الخلاصة: 2026… تسوية أم انفجار؟
لم يعد ملف الإيجارات القديمة مسألة قانونية تقنية، بل اختبارًا اجتماعيًا واقتصاديًا حاسمًا:
- كيف ينتقل لبنان من نظام قديم إلى سوق أكثر واقعية؟
- كيف تُحمى العائلات من التهجير؟
- وكيف تُنقذ الأسواق من الإقفال الجماعي؟
- ومن دون أن يتحوّل تصحيح الحقوق إلى صدمة اجتماعية شاملة؟
حتى الآن، المؤكد أنّ القانون وحده لا يكفي، وأنّ آليات التطبيق – من الصندوق إلى اللجان إلى المهل – هي التي ستحدد ما إذا كان عام 2026 محطة تسوية متأخرة… أم عام انفجار جديد في الشارع.