
لم تُحدث سيطرة القوات الحكومية السورية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب انقلابًا جذريًا في موازين القوى بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، لكنها فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالرسائل السياسية والضوابط الإقليمية والدولية.
ويرى مراقبون أن انسحاب «قسد» من الحيين لم يكن مجرد خطوة ميدانية، بل خلّف ارتباكًا معنويًا داخل بنيتها، إذ ظهر التنظيم عاجزًا أمام قاعدته الشعبية، في وقت حصدت فيه الحكومة السورية زخمًا سياسيًا ومعنويًا سارعت إلى استثماره عبر الانتقال إلى معركة دير حافر غرب الفرات، تمهيدًا – وفق تقديرات – لمعركة أوسع مستقبلًا.
نصر مضبوط بسقوف دولية
بحسب قراءات سياسية، فإن ما جرى في حلب لا يمكن فصله عن تفاهمات إقليمية ودولية غير معلنة، سمحت لدمشق بتحقيق تقدم عسكري محدود، مقابل الالتزام بعدم الذهاب إلى مواجهة شاملة مع «قسد». وتقوم هذه المعادلة على قاعدة تقضي بعودة مناطق سيطرة «قسد» غرب الفرات إلى الحكومة، مقابل احتفاظها ببنيتها العسكرية والسياسية شرق النهر، باعتبارها شريكًا في التحالف الدولي ضد الإرهاب.
ويشير المحلل السياسي إبراهيم العلي إلى أن تحرك دمشق بقي محكومًا بضوابط واضحة، فيما امتنعت «قسد» عن زج ثقلها العسكري الكامل، وكأن الطرفين يعلمان مسبقًا حدود الاشتباك المرسومة دوليًا. ويضيف أن الخلل البنيوي الأبرز داخل «قسد» تمثل في تحريك دمشق لورقة العشائر العربية داخل صفوفها، ما فتح ثغرة في حي الأشرفية، سهّلت دخول قوات وزارة الدفاع بعد تمهيد من عناصر عشيرة البكارة المنضوية سابقًا في «لواء الباقر».
أدوار دولية متقاطعة
دوليًا، خفّفت الدعوات إلى التهدئة من حدة المعركة، باستثناء تركيا التي دفعت باتجاه التصعيد، وربطته – بحسب العلي – بتفاهمات سياسية جرى بحثها في باريس بحضور وزير خارجيتها، شملت تنازلات سورية تتعلق بالملف الإسرائيلي.
في المقابل، فتحت فرنسا قنوات تواصل مباشرة مع الحكومة السورية، مستندة إلى علاقتها الوثيقة مع «قسد»، فيما لعب الزعيم الكردي مسعود بارزاني دورًا توفيقيًا عبر التواصل مع الرئيس السوري وحثّه على عدم كسر التوازنات القائمة.
أما الموقف الأميركي، فبقي الأكثر تأثيرًا. إذ التزم الرئيس الأميركي الحذر في تصريحاته، مشيرًا إلى علاقات “دافئة” مع الطرفين، فيما أوضح المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أن الصراع يجب أن يُفهم في سياق المرحلة الانتقالية، مذكّرًا بـ«الفرصة» التي رافقت رفع العقوبات عن سوريا، وضرورة قيام دولة موحدة لا غالب فيها ولا مغلوب.
ضوء أخضر مشروط؟
ويرى العلي أن واشنطن قد تسمح لدمشق بالدخول إلى مناطق «قسد» غرب الفرات – بدءًا من دير حافر – كمكافأة سياسية على تعاونها في ملفات أخرى، من بينها تخفيف التوتر مع إسرائيل، مقابل الإبقاء على «قسد» قوة رئيسية شرق النهر، بما يرفع رصيد الحكومة السورية داخليًا من دون كسر الشراكة الأميركية مع التنظيم الكردي.
خيبة أميركية من «قسد»
من جهته، يعتبر المحلل السياسي سميح الفاضل أن فشل جولة المفاوضات الأخيرة بين دمشق و«قسد» مطلع كانون الثاني دفع واشنطن إلى توبيخ قائد «قسد» مظلوم عبدي، ومنح ضوء أخضر غير معلن للعملية العسكرية في الشيخ مقصود والأشرفية، مرجّحًا استمرار هذا الغطاء في بقية المناطق غرب الفرات.
ويشكك الفاضل في قدرة «قسد» على الحفاظ على شراكتها الطويلة مع واشنطن، معتبرًا أن الحكومة السورية باتت اليوم الطرف الأقدر على مكافحة الإرهاب، ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى تبنّيها كخيار وحيد، وتحويل «قسد» إلى صفحة من الماضي.
قسد: ما زلنا رقماً صعباً
في المقابل، يرفض المفكر الكردي السوري كاوا مسعود هذا الطرح، مؤكدًا أن «قسد» ستبقى لاعبًا أساسيًا بدعم أميركي وأوروبي. ويشير إلى أن الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفية تم بتفاهمات دولية هدفت إلى حماية البعد المدني ومنع مجازر، لافتًا إلى أن وجود «قسد» العسكري في الحيين كان محدودًا واقتصر على قوات «الأسايش».
ويحذر مسعود من أن معركة دير حافر قد تكون أكثر تعقيدًا، في ظل وجود قوات كردية متمرّسة، معتبرًا أن فتح جبهة شرق الفرات شبه مستحيل بسبب الوجود العسكري الأميركي، وسجون تنظيم «داعش»، والتشابك الروسي–الأميركي، ما يمنع دمشق من حرية العمل العسكري.
ويختم بالتأكيد أن واشنطن لن تسمح بتوسيع المسار العسكري شرق الفرات، لأنها ترى في «قسد» الشريك الأكثر موثوقية في مواجهة «داعش»، متوقعًا أن تفرض الأخيرة شروطها في أي تسوية قادمة.