عون يحدد ملامح المرحلة المقبلة: خطر الحرب ما زال قائماً

في مقابلة تلفزيونية بمناسبة مرور عام على توليه منصبه، صرح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بأن خطاب القسم “ليس حبرًا على ورق”، وأنه سيسعى “المستحيل” لتطبيق بنوده. وأكد أن الرئيس “حَكم وليس طرفًا”، وأن الصلاحيات لا تقتصر على النصوص، بل تمارس لخدمة الشعب والمؤسسات.

أوضح عون أن قرار حصرية السلاح وقرار السلم والحرب هما “قرار داخلي” اتخذه مجلس الوزراء، وليس إملاءً خارجيًا. وأشار إلى أن دور السلاح خارج سلطة الدولة “انتفى” بوجود الجيش، وأصبح “عبئًا” على بيئته وعلى لبنان، ولم يعد له دور رادع. وأضاف أن الجيش حقق “السيطرة العملانية” جنوب الليطاني، ما يعني القدرة على منع أية عمليات عسكرية والتدخل لإحباطها، مع الإقرار باحتمال العثور على مخازن أو أنفاق بسبب طبيعة المنطقة الوعرة، لكن الأهم هو منع تحويل الجنوب إلى نقطة انطلاق لأي عمل عسكري.

وفي السياق ذاته، أكد عون أن لبنان “تعب” من سياسة المحاور، ويرفض أن يكون منصة تهدد استقرار أي دولة. وكشف أنه بعد إطلاق صواريخ في الصيف وسقوط بعضها داخل لبنان، تمكنت مديرية المخابرات خلال أسبوع من القبض على الخلية التي أطلقتها، وتم إبلاغ مسؤولي حركة “حماس” بأنه في حال تكرار الأمر “فسيتم ترحيلهم من لبنان”، مؤكدًا أن لبنان لن يسمح لأي طرف بأخذه إلى “مكان لا يريده”.

نفى رئيس الجمهورية ما تردد عن وجود ضباط كبار من نظام الأسد في لبنان، معتبرًا ذلك غير صحيح بناءً على المعطيات والتقارير الأمنية والتحقيقات والمداهمات التي نفذتها مديرية المخابرات في مناطق مختلفة. وأوضح أن الموجودين هم لاجئون وبعض العناصر والضباط من رتب صغيرة لا تأثير لهم.

وحول مسار التفاوض، قال عون إن لبنان “أخذ قرارًا بالتفاوض”، وهو قرار سيادي غير مفروض من أي جهة. واعتبر أن الدبلوماسية والاقتصاد والحرب هي أدوات السياسة، وأن تجربة الحرب كانت مكلفة. وأضاف: إذا لم نفعل شيئًا ففرص التقدم “0%” وإذا سلكنا المسار الدبلوماسي فهناك “50%” للتقدم، فلماذا لا نجربه؟ وكشف أن شبح الحرب الكبرى والاجتياح البري بات أبعد كثيرًا، رغم استمرار الاعتداءات، مشيرًا إلى وجود طرف داخلي لا يريد إبعاد شبح الحرب.

فيما يتعلق بالسلام، أوضح عون أن السلام هو “حالة اللاحرب”، مذكّرًا باتفاق الهدنة عام 1949. وأضاف أن المساعي الحالية تندرج في إطار تدابير أو اتفاق أمني يشمل الانسحاب ووقف الاعتداءات واستعادة الأسرى وحل مشكلة الحدود، وهو ما يشكل خطوة أساسية باتجاه السلام. وأكد أن لبنان مع السلام الذي يحقق العدالة ولا يخاف منه، وأن المرجعية السياسية تبقى مبادرة السلام العربية المنبثقة عن قمة بيروت.

وفي ملف الأسرى، أكد رئيس الجمهورية أنه لا ينسى الأسرى اللبنانيين ويطالب بإطلاق سراحهم في كل مواقفه في الداخل والخارج. وكشف أنه طرح الملف مع رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الأمم المتحدة ثم في قصر بعبدا، وأبلغته بأن إسرائيل ترفض دخول وفد من الصليب الأحمر للقاء الأسرى أو الاطلاع على أوضاعهم أو حتى معرفة أماكنهم وحالتهم الصحية، مؤكدًا أن الملف سيكون على جدول التفاوض.

وتطرق عون إلى تعيين السفير السابق سيمون كرم في لجنة “الميكانيزم”، موضحًا أنه قبل يوم واحد من وصول قداسة البابا إلى لبنان، وصلته رسالة من الطرف الأميركي تفيد بموافقة إسرائيل على المشاركة في اجتماع “الميكانيزم” مع دبلوماسي مدني. وبعد انتهاء الزيارة، اجتمع مع الرئيسين نبيه بري ونواف سلام وأطلعهما على قراره بتعيين كرم ونال دعمهما، ثم اتصل بالسفير كرم وطلب حضوره وأبلغه بمشاركته في الاجتماع التالي، مؤكدًا أن كرم لم يكن مطلعًا على تفاصيل اللجنة وتم وضعه في الأجواء مع ممثلي الجيش، وأن التعيين لم يكن بطلب أميركي أو خارجي بل “اتُّخذ في لبنان من قبل السلطة السياسية”.

في الشأن الداخلي، أكد عون أن العلاقة مع الرئيسين بري وسلام “أكثر من ممتازة”، وأن السلطة ممارسة وتتطلب توافقًا وحوارًا للوصول إلى حلول مشتركة، نافيًا ما يُتداول عن “ترويكا” أو مجلس رئاسي، ومشيرًا إلى أن الاختلاف في الرأي طبيعي في نظام غير دكتاتوري، وأن المهم هو تحقيق النتائج بدل إعادة إنتاج الخلافات.

وحول إعادة الإعمار، قال عون إن مجلس الوزراء سيناقش الأسبوع المقبل آلية إعادة الإعمار، ما يعني إنجاز الشق الإداري والقانوني، لافتًا إلى إقرار قانون قرض بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي، وستبدأ الدولة باستخدامه، مع طموح لعقد مؤتمر دولي للمانحين مخصص لهذه الغاية، مؤكدًا أن البيوت المهدمة والأراضي المحترقة هي للبنانيين، وأن الدولة وحدها مسؤولة عن احتضان أبنائها “بغض النظر عن الأسباب”، وأنه لا يحق لأي جهة أن تحل مكان الدولة في هذا الملف.

وفي الجانب الأمني، نوّه رئيس الجمهورية بالتنسيق غير المسبوق بين الجيش والأجهزة الأمنية التي تعمل “ضمن جسم واحد”، معتبرًا أن النتائج ظهرت في مكافحة المخدرات وضبط الحدود والجريمة، مشيرًا إلى ضبط معامل لتصنيع المخدرات في جرود الهرمل قبل 3 أيام، وإلى أن زيارة البابا إلى لبنان لم تشهد أي “ضربة كفّ”، كما لفت إلى انتشار نحو 40 ألف عسكري وقوى أمن داخلي خلال فترة الأعياد وسهرة رأس السنة لفرض الأمن مع تراجع الحوادث وإطلاق النار. وأشاد بدور أمن الدولة في مكافحة الفساد وبالقضاء “القوي” الذي بات يفتح ملفات كانت تُعد خطوطًا حمراء، معتبرًا أن التزاوج بين القضاء والأمن أساس لمحاربة الفساد وبسط الاستقرار، وأن فرض الأمن يفتح الباب للازدهار الاقتصادي.

وفي ملف المطار والمرفأ، نفى عون بشدة ما يُقال عن تهريب مليار دولار عبر مطار رفيق الحريري الدولي، مطالبًا من يروج لذلك بتقديم الإثباتات ومن أين تم التهريب، مشيدًا بعمل جهاز أمن المطار وبالتعاون مع قوى الأمن الداخلي والجمارك والجيش، معتبرًا أن المطار انتقل أمنيًا إلى مرحلة جديدة. وفي المقابل، قال إن تحسن المرفأ موجود لكنه أقل من المطار بسبب افتقاره إلى سلطة مركزية، داعيًا إلى استكمال تشكيلات جهاز الجمارك وتأمين التجهيزات، مشيرًا إلى تركيب جهاز “سكانر” جديد قيد التجربة بانتظار بدء العمل به لتحسين الأداء. ولفت إلى ارتفاع إيرادات الجمارك من 1 مليار و678 مليون و883 ألفًا في 2024 إلى 2 مليار و273 مليون و945 ألفًا في 2025.

اقتصاديًا، قال عون إن لبنان “يبني دولة من جديد”، وإن إعادة إعمار منزل محطم أصعب من البناء من الصفر، مع تفهمه لتعب اللبنانيين وعدم امتلاك “عصا سحرية”، لكنه أكد أن الأمور “وُضعت على السكة” مع استثمارات خارجية. ونقل عن تقرير حاكم مصرف لبنان أن الأرقام الأولية تشير إلى نمو الاقتصاد في 2025 بنحو 5%، مع تحسن واضح في القطاعات السياحية والصناعية والتجارية والتكنولوجية. وأشار إلى أن إيرادات الخزينة في 2025 بلغت ما يوازي 6 مليارات دولار نقدًا، أي أعلى بنحو 25% مما كان متوقعًا في الموازنة، وأن وزارة المالية تعمل على زيادة الإيرادات عبر تحسين الجباية والإيرادات الجمركية ومكافحة التهرب الضريبي. كما قال إن الخزينة حققت وفرًا أوليًا يتخطى المليار دولار في 2025، وإن احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية ارتفع بنحو 2 مليار دولار ليصل إلى 12 مليارًا في 2025 بعدما كان 10 مليارات في 2024، لافتًا أيضًا إلى ارتفاع سعر الذهب. وأعطى مثالًا من القطاع الخاص بأن شركة سيارات كان هدفها في 2025 بيع 500 سيارة لكنها باعت 1624.

وفي ملف الإصلاحات، اعتبر عون أن القوانين التي أقرتها الحكومة مثل رفع السرية المصرفية وقانون عمل المصارف وقانون الفجوة المالية تدخل في خانة الإصلاح الاقتصادي والمالي. وأوضح أن قانون الفجوة المالية لم يُستكمل بعد، وأن وجود قانون غير مثالي أفضل من غياب أي إطار يوضح للمودعين كيفية استرداد أموالهم، مشيرًا إلى أن القانون سيخضع لملاحظات لجنة المال والموازنة والهيئة العامة، وأنه إذا عاد إلى رئاسة الجمهورية مع ملاحظات جوهرية سيعيده إلى مجلس النواب كما حصل مع قانون استقلالية القضاء، ناقلًا عن حاكم مصرف لبنان ضرورة تحسين القانون وتحصينه.

وعن انفجار مرفأ بيروت، قال عون إن زياراته الخارجية تتابع أيضًا ملف قبطان الباخرة الروسي الموقوف في بلغاريا، وقد طلب تسليمه أو السماح باستجوابه فوافقوا على الاستجواب، وذهب القاضي بيطار وحقق معه وعاد من دون أن يعرف عون النتيجة، لكنه شدد على أن “العدالة المتأخرة ليست عدالة” وأن عائلات الشهداء تنتظر الحقيقة، داعيًا إلى رفع القرار الظني بأسرع وقت ليستكمل المجلس العدلي عمله، رافضًا استمرار المماطلة، ومشيرًا إلى أنه أوصل رسالة بهذا الاتجاه إلى القاضي سهيل عبود.

وفي ملف الانتخابات، شدد عون على أن الانتخابات استحقاق دستوري “ممنوع” تأجيله و”ممنوع” ألا يجري، مؤكدًا أنه كما أصر مع الحكومة ووزير الداخلية على إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية رغم محاولات تعطيلها، فإنه مع الرئيسين بري وسلام مصرون على إجراء الانتخابات النيابية، مع الإشارة إلى أن التأجيل التقني القصير لا يُعد تأجيلاً. وقال إن هناك قانونًا نافذًا للانتخابات، وإن الحكومة قامت بما عليها وقدمت مشروع قانون، والكرة أصبحت في مجلس النواب لإقرار المراسيم التنظيمية وفق مبدأ احترام السلطات.

وأعلن عون أنه لا يملك حزبًا سياسيًا ولا يطمح لمواصلة الحياة السياسية بعد 5 سنوات، وأن طموحه العودة إلى بلدته، محددًا دوره في الانتخابات بضمان إجرائها في موعدها وسلامتها وأمنها وشفافيتها، ومؤكدًا أنه لن يدعم أي مرشح وأن مكتبه مفتوح للجميع من دون أن يعني ذلك تبنيًا سياسيًا لأحد، وقال إنه في 9 كانون الثاني 2031 يتمنى أن يكون في منزله وقد تسلم رئيس جديد مكانه.

وفي العلاقات الخارجية، أكد عون أن العلاقة مع السعودية وولي العهد الأمير محمد بن سلمان ممتازة ومستمرة، وأن هاجس الإصلاح الاقتصادي أساسي لدى الدول الراغبة بالاستثمار، لافتًا إلى أن عودة المستثمرين العرب والخليجيين ترتبط بتأمين الاستقرار السياسي والأمني. كما تحدث عن العلاقة مع سوريا، مشيرًا إلى وجود “كيمياء” مع الرئيس أحمد الشرع، والعمل على ملفات عدة بينها ترسيم الحدود وملف الموقوفين، آملاً أن يُختما قريبًا.

وختم رئيس الجمهورية بالتأكيد أنه متفائل بأن 2026 ستكون أفضل من 2025 وبأنها قد تكون “سنة الخلاص”، معتبرًا أن تفاؤله يستند إلى تمسك اللبنانيين بأرضهم وإيمانهم ببلدهم، داعيًا إلى توفير الاستقرار السياسي والأمني كشرط للنهوض.