
لا شيء يضاهي تلك اللحظة المثيرة عندما يندفع لاعب كرة القدم نحو الكرة ويقفز عاليًا ليضربها برأسه ويسددها في الشباك، مسجلاً هدفًا يشعل حماس الجماهير في المدرجات.
ولكن، وراء هذا المشهد المبهج، تكمن حقائق علمية تبعث على القلق: إن تكرار ضرب الكرة بالرأس يمكن أن يترك آثارًا متراكمة على الدماغ، قد تظهر بعد مرور عقود طويلة في صورة أمراض تنكسية عصبية مثل الزهايمر وباركنسون ومرض العصبون الحركي، وفقًا لما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.
منذ حوالي قرن من الزمان، بدأت الأوساط الطبية تدرك المخاطر المحتملة التي قد تسببها الرياضات العنيفة على الدماغ.
## أمراض الدماغ
في عام 1928، نشر عالم الأمراض الأميركي هاريسون مارتلاند دراسة أشار فيها إلى ما كان يعرف بين الملاكمين بـ”سكر اللكمات”، وهي حالة تتميز بالترنح والارتباك الذهني التي يعاني منها أولئك الذين يتعرضون لضربات متكررة على الرأس.
لاحقًا، تم تصنيف هذه الحالة تحت اسم “الخرف البوجيليستيكا”، وهو مرض مرتبط بالملاكمين الذين عانوا من إصابات دماغية متكررة.
ومع مرور الوقت، تبين أن المشكلة لا تقتصر على رياضة الملاكمة. ففي عام 2002، توفي لاعب كرة القدم الإنجليزي جيف أستل عن عمر يناهز 59 عامًا بعد إصابته بالخرف المبكر، بينما توفي نجم كرة القدم الأميركية مايك ويبستر عن عمر 50 عامًا نتيجة تدهور إدراكي مماثل.
وكشفت الفحوصات أن كلا اللاعبين كان يعاني من اعتلال الدماغ الرضحي المزمن (CTE)، وهو التشخيص الحديث الذي حل محل مصطلح “الخرف البوجيليستيكا”.
وقد عززت قضايا أخرى بارزة المخاوف، منها انتحار لاعب شيكاغو بيرز السابق ديفيد دورسون في عام 2011 بعد معاناة مع الاكتئاب، حيث كشف تحليل دماغه عن إصابته أيضًا باعتلال الدماغ الرضحي المزمن.
وقد أكد استشاري أمراض الأعصاب بجامعة غلاسكو ويلي ستيوارت أن هذا المرض “مرتبط حصرا بتاريخ من إصابات الرأس المتكررة”، مشيرًا إلى أن العلامة المميزة له هي ترسب بروتين “تاو” بشكل غير طبيعي في الدماغ.
## خطر الرياضات الاحتكاكية
في جامعة بوسطن، قامت آن ماكي وزملاؤها في عام 2023 بتحليل أدمغة 376 لاعبًا سابقًا في دوري كرة القدم الأميركية، ووجدوا أن أكثر من 91% منهم مصابون باعتلال الدماغ الرضحي المزمن.
وعلى الرغم من أن هذه النسبة قد تعكس تحيزًا في العينة، إلا أنها تكشف عن حجم الخطر الكامن في الرياضات التي تعتمد على الاحتكاك الجسدي.
كما أظهرت دراسة واسعة النطاق أجراها ستيوارت في عام 2019 على حوالي 8 آلاف لاعب كرة قدم اسكتلندي سابق، أن هؤلاء اللاعبين أكثر عرضة للإصابة بالزهايمر بمعدل 5 مرات، و4 مرات لمرض العصبون الحركي، ومرتين لمرض باركنسون مقارنة بعامة السكان.
وأوضحت الدراسة أن المدافعين هم الأكثر عرضة للخطر من غيرهم، بينما لا يختلف خطر حراس المرمى كثيرًا عن عامة الناس.