
وفي اعترافات نادرة من داخل الجيش الإسرائيلي، كشف ضباط احتياط يتمركزون على “الخط الأصفر” في قطاع غزة عن شعور عميق بالإحباط وتدهور في الروح المعنوية، بسبب القيود العملياتية الصارمة والعجز عن فرض السيطرة غرب هذا الخط.
ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مقدم احتياط، كان ضمن القوة التي سيطرت على الخط الأصفر قبل أسبوعين، قوله: “نرى حماس تنظّم صفوفها، تزرع المتفجرات، وتعيد بناء البنية التحتية، لكن لا يُسمح لنا بإطلاق النار إلا بعد التحقق القاطع من هوية المشتبه به، وبعد الحصول على موافقة القيادة العليا”.
وأضاف: “من المفهوم أن الجيش الإسرائيلي هو الجهة الوحيدة القادرة على نزع سلاح غزة، لكن عمليًا، تمت مصادرة السيطرة ونقلها إلى الأميركيين. من دون موافقة الولايات المتحدة لا يمكن فعل أي شيء”.
ووفقًا لضباط آخرين تحدثوا للصحيفة نفسها، فإن الجيش يفقد السيطرة الفعلية على ما يجري غرب الخط الأصفر، حيث يتجول عناصر من حماس بملابس مدنية أو سترات واقية، ويقيمون خيامًا ويعيدون تفعيل مؤسسات الحكم المحلي، دون قدرة القوات الإسرائيلية على التدخل.
وقال رائد احتياط متمركز حديثًا في القطاع: “نحن نسيطر شرق الخط الأصفر، أما غربه فلا وجود عسكريًا لنا. هناك، تتحرك حماس بحرية تامة. هذا وضع مقلق ومحبط”.
وأشار ضابط آخر إلى أن “فرصة سياسية ذهبية تضيع”، متسائلًا: “ما الذي يمنعنا الآن من دفع خطة سياسية لإنهاء حماس؟ لقد ضحّينا بأكثر من 300 يوم من الحرب، وها هي حماس تتعافى. نحن ندور في حلقة مفرغة، ولا أحد يفهم لماذا ننتظر”.
وفي ظل هذا الغموض القيادي، كشف الجيش الإسرائيلي عن حادثة قصف مدرسة في حي الدرج شمال غزة يوم الجمعة، أسفرت عن استشهاد 3 أطفال، بعدما أطلقت قوة إسرائيلية النار دون الحصول على الموافقة المطلوبة من رئيس الأركان، باعتبار أن الهدف كان “حساسًا”.
وجاء في بيان للجيش: “يجري التحقيق في الحادث، ونعرب عن أسفنا لأي أذى يلحق بالأبرياء”.
غير أن التحقيقات الأولية، وفق ما نقلته الصحيفة، أظهرت أن القوة ادّعت رصد “أهداف مشبوهة”، في حين تؤكد مصادر محلية أن المبنى كان يؤوي عائلات نازحة، وأن القصف أدى إلى احتراق بعض السكان أحياء تحت الأنقاض.
وبحسب الضباط، فإن مركز القرار لم يعد في تل أبيب بل في البيت الأبيض، إذ يقول أحدهم: “الجيش وحده قادر على نزع سلاح غزة، لكنه اليوم مجرد أداة تنفيذية تنتظر الضوء الأخضر الأميركي”.
ويخشى هؤلاء من أن تمرّ ما يسمونها “الفرصة التاريخية” دون استثمار، ليجد الجيش نفسه بعد أشهر أمام حماس أكثر قوة وتنظيمًا، مدعومة ببنية تحتية مالية وإدارية جديدة، وكل ذلك يجري تحت أنظار الجنود الذين يمنعون من التصرف حتى عند مشاهدة خصمهم مباشرة.
وفي مقابل حديث القيادة الإسرائيلية عن “الانتصار”، تُظهر الوقائع الميدانية، وفق هذه الشهادات، أن المقاومة تعيد بناء نفسها، فيما يبقى مستقبل غزة معلقًا بين مسارات سياسية غير مكتملة، واتفاقيات غير واضحة المعالم بشأن نزع السلاح، وانسحابات إسرائيلية جزئية لم تُنتج حتى الآن تصورًا نهائيًا لإدارة القطاع.
ومع تعثر مشاريع الترتيبات الأمنية والدولية، يبرز سؤال أساسي حول ما إذا كانت إسرائيل قادرة فعليًا على فرض معادلة جديدة في غزة، أم أنها ستبقى أسيرة حسابات خارجية وسياسات مرحلية لا تضمن لها استقرارًا طويل الأمد.