من البراجنة إلى كسروان: حملة قضائية تستهدف أخطر شبكة لتجارة المخدرات في جبل لبنان وبيروت

لبنان اليوم

لم يكن القبض على محمد.ع ووالدته مريم وشقيقته مايا مجرد إجراء روتيني في إطار ملاحقة مروجي المخدرات، بل كان ضربة قوية استهدفت إحدى أخطر وأكثر الشبكات سرية في جبل لبنان، وهي شبكة عائلية تعمل منذ سنوات بصمت، وتتحرك بسهولة في الأحياء المزدحمة، وتوسع نفوذها من مناطق مثل برج البراجنة والليلكي وصبرا وشاتيلا وصولًا إلى بعبدا والحدث وغزير وكسروان، كما كشفت التحقيقات الأولية.

هذه العائلة، التي تضم الأم والابن والشقيقة وابن الخالة الملقب بـ”الهندي”، لم تكن تعمل بشكل عشوائي أو محدود، بل كانت تمارس نشاطًا منظمًا يعتمد على تقسيم الأدوار بدقة: محمد للترويج والتوزيع، الأم للتعبئة والحسابات، والشقيقة للاتصالات والتنسيق مع الزبائن. وهذا يعتبر النموذج الأخطر الذي يواجهه مكافحة المخدرات: عائلات صغيرة تعمل بسرية تامة، لا تظهر للعيان، وتتحرك في نطاق سكني مألوف بحيث لا تثير الشبهات حول نشاطها.

لكن هذا التمويه لم ينجح في إخفاء نشاطهم عن “عين مكافحة المخدرات” في جبل لبنان، التي تتبعت خيطًا صغيرًا حتى انكشف كل شيء. وكانت المفارز المتخصصة التي تعمل تحت إشراف النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر، قد عقدت في الأسابيع الأخيرة اجتماعات متتالية ومكثفة بدعوة منه، بهدف تنفيذ خطة أمنية حاسمة لضرب أوكار تجارة المخدرات، وملاحقة كبار المروجين بقوة، بعد أن أصبح هذا الملف أولوية قصوى على مستوى القضاء والأجهزة الأمنية.

القاضي صادر، المعروف بصرامته القانونية ومتابعته المستمرة للملفات المتعلقة بالمخدرات، أعطى تعليمات مباشرة بتنفيذ المداهمات دون أي تردد، وفتح خط اتصال يومي مع قادة المفارز، مطالبًا بـ”تنظيف جبل لبنان من الشبكات التي تتخفى خلف البيوت والعائلات والعلاقات”. وكانت نقطة البداية الشقة المشبوهة في منطقة المعمورة خلف أفران الوفاء – الطابق الثالث، والتي تبين أنها تستخدم لتخزين المخدرات وتعبئتها قبل توزيعها.

وبناءً على إشارته، داهمت القوة الأمنية الشقة وألقت القبض على محمد.ع ووالدته مريم وشقيقته مايا، وتم ضبط كميات كبيرة ومتنوعة من الكوكايين وحشيشة الكيف والهيروين وحبوب XTC، بالإضافة إلى مبالغ مالية وهواتف وأكياس فارغة ودفاتر وورق لف السجائر، فضلاً عن مسدس من نوع “غلوك” كان موجوداً داخل المنزل.

وفي اعترافاته، كشف محمد.ع عن شبكة واسعة النطاق تُظهر حجم الجريمة وخطورتها: فهو يتقاضى 80 دولارًا يوميًا مقابل الترويج، ويعمل منذ 3 سنوات لصالح التاجر حسن.ز، فيما تقوم والدته بتعبئة المواد وإدارة الحسابات واستلام العائدات. واعترف بأنه يزود تاجرًا فلسطينيًا في مخيم برج البراجنة يُعرف بـ”الدودو”، يعمل بدوره لصالح شخص آخر ملقب بـ”الهندي”، كما يسلم المخدرات لرجل مجهول الهوية قرب بنك عودة عند مدخل برج البراجنة، يملك سيارة “أفنزا” فضية اللون. إضافة إلى محمد الموسوي الذي يعمل للتاجر الملقب بـ”الهندي” ويتسلم من المخدرات في منطقة الليلكي والكفاءات.

الشبكة التي تم الكشف عنها، بحسب حجم المضبوطات وتعقيدات التوزيع، ليست مجرد “مجموعة” بل منظومة متكاملة تعتمد على أكثر من نقطة تموين وتوزيع، وتربط بين مروجين لبنانيين وفلسطينيين وسوريين ومجهولي الهوية متوارين عن الأنظار، وبعضهم مطلوب بجرائم إضافية مثل زراعة المخدرات.

وبعد ادعاء القاضي سامي صادر على المجموعة بأكملها وفق المادتين 125 و127 من قانون 673/98، وطلبه توقيف الموقوفين وجاهياً وملاحقة المتوارين غيابياً، أصدر تعليمات بإرفاق الملف بمحضر إلحاقي يتضمن الاستماع إلى الموقوف نوح زعيتر، في خطوة إضافية تؤكد على رسالة واضحة: جبل لبنان لم يعد منطقة مفتوحة أمام تجار السموم، وأن حقبة “غض الطرف” قد انتهت.

هكذا سقطت واحدة من أخطر الشبكات العائلية في الضاحية وجبل لبنان، في عملية مركبة جمعت بين المتابعة الأمنية الدقيقة والقرار القضائي الحازم، وذلك في سياق حملة واسعة يقودها القاضي صادر على تجارة المخدرات، ويبدو أنها ستكشف المزيد وتطيح بشبكات أخرى في الأيام المقبلة.