اغتيال "المسار" بدلاً من "الشخص": تداعيات الهجوم تطال جوهر القضية

لبنان اليوم

– عبدالله قمح

لبنان يواجه منعطفات خطيرة. بعض الأصوات في إسرائيل تهدد بتصعيد الضربات بعد انتهاء زيارة البابا لاوون الرابع عشر المرتقبة إلى بيروت بين 30 تشرين الثاني و 2 كانون الأول المقبلين. في المقابل، تشير مصادر خارجية إلى استعداد حزب الله للرد، معتقدةً أن الحزب متيقن من نية إسرائيل التصعيد وأنه ينتظرها في الميدان لمحاولة “جبر” ما تم كسره من قواعد الاشتباك.

وسط هذه الظروف، جاء اغتيال رئيس أركان حزب الله، السيد هيثم الطبطبائي، في الضاحية الجنوبية لبيروت، ليضفي بعدًا إضافيًا وخطيرًا على الأحداث.

الرئيس يُكرّر

في هذا المشهد، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تراقب من الخارج. مبادرة “النقاط الخمس” التي أعلنها رئيس الجمهورية جوزاف عون في ذكرى الاستقلال من قاعدة بنو بركات جنوبي الليطاني، تحمل معاني متعددة، لكنها ليست جديدة، فهي في الواقع “تجميعة” لأفكار قديمة أعاد الرئيس صياغتها وترتيب أولوياتها، وأطلقها كمبادرة تهدف إلى وضع أسس لبنانية للتفاوض.

إلا أن ما يغفله الرئيس – أو فريقه – هو أن هذه البنود سبق أن رفضتها الإدارة الأميركية عندما قُدّمت إلى المبعوث الأميركي طوم براك، ردًا على الورقة التي قدمها الأخير إلى المسؤولين اللبنانيين. وقد واجه الرد اللبناني رفضًا من الجانبين الإسرائيلي والأميركي. إضافة إلى ذلك، ردت إسرائيل ميدانيًا على مبادرة عون بتنفيذ عمليات اغتيال في عمق جنوب الليطاني خلال اليومين الماضيين.

عمليًا، يتجاهل الرئيس نقطة أساسية سبق أن أشار إليها رئيس الحكومة نواف سلام في حديثه إلى وكالة “بلومبرغ” قبل أيام، حين أكد بثقة أن الرد الأميركي – الإسرائيلي على المقترح اللبناني كان سلبيًا. ما يعني أن أي مقترحات رئاسية تفقد قيمتها السياسية، طالما أن تل أبيب وواشنطن قد حسمتا موقفهما.

وهنا يتضح غياب التنسيق بين الرئيسين عون وسلام، على عكس ما يُشاع عن وجود تنسيق رئاسي واسع قبل إطلاق المبادرة. إلا إذا كان سلام يتعامل بازدواجية: يوافق الرئيس ثم ينتقده إعلاميًا.

توسيع منظومة الاغتيالات

من جهتها، ردت إسرائيل على مبادرة عون بتوسيع “منظومة الاغتيالات” لتصل إلى الضاحية الجنوبية للمرة الثانية بعد الحرب، والأولى منذ توقيع اتفاق 27/11، حيث استُهدف قيادي من الصف الأول.

أكبر من اغتيال شخص

الأهم أن اغتيال الطبطبائي ورفاقه في الضاحية تزامن مع تحركات سياسية إقليمية تجري تحت إشراف أميركي، وتتضمن قنوات اتصال مع حزب الله. هذا يعني أن توقيت الاغتيال يحمل رغبة إسرائيلية في القضاء على المسار السياسي الذي بدأ مؤخرًا. والتجربة تظهر أن إسرائيل، منذ السابع من أكتوبر، تمارس الاغتيال كعمل مخطط له يرتبط بأهداف سياسية وعسكرية واضحة.

وإن دل هذا على شيء، فهو أننا نمر بمرحلة مشابهة لتلك التي سبقت 27 أيلول 2024، عندما لجأت إسرائيل إلى تصعيد تدريجي تخللته اغتيالات استهدفت شخصيات رئيسية في قيادة الحزب، وصولًا إلى تفجير أجهزة “البيجر” والاتصالات اللاسلكية، ثم اغتيال السيد حسن نصرالله. كل ذلك تم بتوقيت إسرائيلي مدروس لزيادة التصعيد والاستفادة من عمليات إضعاف القيادة. وجاء اغتيال الطبطبائي أمس متوافقًا مع هذه الأجواء ومع الدعوات الإسرائيلية المتواصلة لتوسيع الضربات.

حركة مكوكية

في الوقت نفسه، كانت جهود خارجية تستأنف محاولات إنقاذ الوضع اللبناني من خلال فرض “مظلة حماية عربية” تدفع بيروت إلى التفاوض مع إسرائيل وتخلق الظروف المناسبة لذلك.

ولأول مرة منذ مغادرة رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد بيروت، حدث دفع مصري جدي للمبادرة عبر لقاءات بين مكلفين لبنانيين والحزب لإعادة إحياء التواصل. وتلقت القاهرة ردًا اعتبر إيجابيًا، وشجع على النظر في زيارة محتملة لوزير الخارجية المصري إلى بيروت، ربما برفقة عناصر أمنية مكلفة بإعادة فتح قنوات التنسيق المباشر مع الحزب.

وفي السياق نفسه، أضافت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب عنصرًا مهمًا. فقد تحدث بن سلمان بوضوح عن مسعى سعودي لدفع المفاوضات الأميركية – الإيرانية قدمًا، معلنًا دعم المملكة لأي اتفاق يُبرم بين طهران وواشنطن.

وقبل ذلك، زار معاون رئيس مجلس النواب، النائب علي حسن خليل، طهران للمشاركة في مؤتمر “القانون الدولي تحت الهجوم”. وفُهم في بيروت أنه قصد العاصمة الإيرانية لاستطلاع الموقف من دعوات التفاوض الإقليمية، بما فيها الشق المتعلق بلبنان، لا لرفع “شكاوى” كما روّج البعض، إذ لا توجد أزمة ثقة بين بري والحزب.

وتردد في بيروت أن خليل لمس استعدادًا إيرانيًا للانخراط في مفاوضات مع الأميركيين، وربما لمس أيضًا رغبة لدى طهران في تشجيع الحزب على إبداء مرونة أكبر تجاه الدور العربي.

وهذا قد يفسّر قبول الحزب الجلوس مع شخصيات عربية – ولو عبر وسطاء – لمناقشة العروض. كما لا يمكن تجاهل ما تسرب عن لقاء بين الموفد السعودي يزيد بن فرحان وشخصية قيل إنها من الحزب، خصوصًا بعدما أجّل بن فرحان زيارته السابقة إلى بيروت لأسباب تقنية قيل إنها مرتبطة بوجود الرئيس جوزاف عون في بلغاريا والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير في الإمارات.

وفي الإطار ذاته، لا يمكن تجاهل زيارة مستشارة الرئيس الفرنسي إلى بيروت ولقاءاتها مع قيادات في الحزب، إذ كانت باريس الجهة الوحيدة التي أعلنت صراحة إجراء لقاءات رسمية معه. كما يتزامن هذا المسار مع لقاءات مصرية – فرنسية وفرنسية – سعودية عقدت في باريس لتنسيق الجهود بشأن الملف اللبناني.

نسف اللحظة السياسية

في الخلاصة، كانت الأجواء تشير إلى وجود دفع لتحقيق اختراق حقيقي، مع الاعتقاد بأن جولة المباحثات الحالية قد تكون الأخيرة قبل التصعيد. لكن إسرائيل فاجأت الجميع بهجوم الضاحية، ناسفة كل الأجواء السياسية التي تشكلت، وجاعلة من الاغتيال نفسه مقدمة للتصعيد وليس نتيجة له.