منذ المواجهات العنيفة التي اندلعت في شهر تموز الماضي، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من ألفي شخص، لم تستعد محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، حياتها الطبيعية. السكان يخشون مغادرة مناطقهم وسلوك الطريق المؤدي إلى العاصمة.
في أحد مستشفيات مدينة السويداء، تتحدث لميس (32 عاماً)، والتي فضلت عدم ذكر اسمها كاملاً، قائلة: “ذهبنا إلى دمشق، أنا وأخي وابنتاي، لاستصدار جوازات سفر بهدف السفر. وفي طريق العودة، رأيت مسلحاً يستقل دراجة نارية، توقف أمام باب الحافلة وسأل السائق عن وجهتنا، فأجابه السائق: إلى السويداء. عندها أشار المسلح بيده وبدأ إطلاق الرصاص علينا من كل اتجاه”.
وتضيف لميس قائلة: “أصيبت ابنتي بجروح خطيرة في يدها، وأنا أيضاً أصبت. استمرت الحافلة في السير بينما كان الرصاص ينهال علينا. بقينا ننـزف طوال الطريق، كانت الحافلة مليئة بالدماء، كان هناك قتلى وجرحى يصرخون… كان الطريق بأكمله عبارة عن صراخ وموت ودماء”.
وبحسب وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا)، لقي شخصان مصرعهما في حادث إطلاق النار الذي استهدف الحافلة التي كانت تقل مدنيين على طريق السويداء يوم الثلاثاء، وقد نُسب الهجوم إلى “مسلحين مجهولين”.
من جهتها، أفادت منصة “السويداء 24” الإخبارية المحلية بأن الضحيتين هما: آية سلام وكمال عبد الباقي. وأشارت إلى أن الحافلة تعرضت للهجوم أثناء عودتها من دمشق في منطقة تقع ضمن نطاق انتشار حواجز الأمن العام، كما ذكرت أن ستة أشخاص أصيبوا بجروح، من بينهم طفلان.
وتقول لميس: “أشعر برعب شديد الآن من سلوك هذا الطريق مرة أخرى. ما حدث لنا كان صعباً للغاية… لن نتمكن من المرور به بعد اليوم، لقد أصبح اسمه طريق الموت”.
شهدت محافظة السويداء في 13 تموز (يوليو) الماضي اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تطورت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ومسلحين من العشائر. وبينما أكدت دمشق أن قواتها تدخلت لوقف الاشتباكات، اتهمها شهود عيان وفصائل درزية والمرصد السوري لحقوق الإنسان بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات بحق الدروز.
ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، كان من بين ضحايا تلك المواجهات 789 مدنياً درزياً “أُعدموا ميدانياً برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية”.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال المحافظة تعيش حالة من التوتر الأمني، حيث بقيت مدينة السويداء تحت سيطرة المقاتلين الدروز، بينما تسيطر القوات الحكومية على المناطق المحيطة بها.
وفي أيلول (سبتمبر) الماضي، أعلنت دمشق عن خارطة طريق للمصالحة بدعم من الولايات المتحدة والأردن، تقوم على محاسبة كل من تورط في الاعتداء على المدنيين. كما عينت السلطات السورية زعيماً درزياً محلياً قائداً للأمن الداخلي في السويداء.
ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، شهدت الأشهر الأخيرة عدة حوادث على الطريق بين دمشق والسويداء، تضمنت عمليات خطف وإطلاق نار على سيارات مدنية. وكانت حادثة الثلاثاء الأخيرة هي الأخطر، مشيراً إلى وجود حواجز لمسلحين مرتبطين بالسلطة ولكنهم غير تابعين رسمياً لقوات الأمن.
ويقول سكان السويداء إنهم لا يزالون يعيشون في خوف دائم من الوضع الأمني المتوتر على الرغم من توقف المعارك الواسعة.
مضر (25 عاماً)، وهو طالب جامعي في اللاذقية، صرح قائلاً: “قصة أمس كانت من أسوأ القصص التي حدثت في الفترة الأخيرة… لم أعد أفكر في الذهاب إلى السويداء حتى نهاية العام الدراسي”.
وأضاف: “هذا الأمر يؤثر على الطلاب بشكل خاص، وله تأثير نفسي كبير وصعب جداً، يشعر الشخص بأنه غريب في وطنه”.
وفي المحافظة نفسها، يخشى صفوان عبيد (40 عاماً) من تفويت موعده في إحدى السفارات في بيروت لاستصدار تأشيرة سفر، قائلاً: “الطريق إلى دمشق لم يعد آمناً أبداً، مع استهداف حافلات النقل على طريق دمشق – السويداء. الطريق غير مؤمنة، ولا توجد وسيلة تضمن وصولي إلى العاصمة ومنها إلى بيروت”.
