
ليس “اتفاق 123” مشروعاً تقنياً عادياً، ولا خطوة محصورة بإضافة مفاعل جديد إلى شبكة الطاقة السعودية. الاتفاق يفتح أمام المملكة باباً كانت دونه لعقود، وينقلها من موقع الدولة التي تشتري التكنولوجيا إلى دولة تبني حولها معرفة وصناعة وكفاءات ومؤسسات.
يستند الاتفاق إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، ويؤسس للإطار القانوني الذي يسمح بالتعاون النووي السلمي بين واشنطن والرياض. ومن خلاله، يصبح نقل المعدات والخبرات والتقنيات ممكناً ضمن الضمانات والرقابة المعتمدة.
الاتفاق ليس عقداً لبناء مفاعل محدد، ولا يمنح موافقة تلقائية على التخصيب أو إعادة معالجة الوقود. غير أن أهميته تكمن في فتح المسار أمام الشركات والمؤسسات الأميركية للدخول إلى البرنامج السعودي، وفي منح المشروع غطاءً سياسياً وتقنياً لا تستطيع أي عاصمة إقليمية تجاهله بسهولة.
الدولة التي تدخل الصناعة النووية لا تشتري مفاعلاً فقط. هي تؤسس جامعات ومختبرات وهيئات رقابية وشركات هندسية، وتدرّب علماء ومهندسين، وتبني سلاسل توريد وصناعات دقيقة تمتد آثارها إلى الطب والزراعة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
لهذا لم يكن اختيار الولايات المتحدة شريكاً أساسياً قراراً عابراً. واشنطن لا تقدم التقنية وحدها. هي تربط المشروع بعلاقة أوسع تشمل الدفاع والاستثمار والصناعة المتقدمة، وتمنحه وزناً دولياً يصعب فصله عن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
هذا الحضور الأميركي لا يعني أن واشنطن ستوافق على كل مطلب سعودي، ولا أنها ستمنع كل اعتراض إسرائيلي. لكنه يجعل البرنامج جزءاً من تفاهم كبير، ويصعّب على إسرائيل التعامل معه كملف معزول يمكن تعطيله بقرار أحادي.
منذ عقود، تحتفظ إسرائيل بتفوق استراتيجي مرتبط بقدرتها النووية وبسياسة الغموض التي تتبعها. وفي الوقت نفسه، نصبت نفسها حكماً على البرامج النووية في المنطقة، تحدد ما تعتبره مقبولاً وما تصفه بالخطر.
دخول السعودية إلى هذا المجال من البوابة الأميركية لا يصنع توازناً عسكرياً نووياً مع إسرائيل، لكنه يبدأ ببناء قاعدة عربية علمية وتقنية تضيّق احتكارها للمعرفة المتقدمة، وتفرض حضور المملكة في أي نقاش مستقبلي حول أمن المنطقة.
السعودية لا تعلن السعي إلى سلاح نووي. برنامجها المعلن مدني ويجري ضمن تعاون دولي ورقابة مؤسساتية. إلا أن امتلاك المعرفة والكفاءات والبنية الصناعية يمنح أي دولة وزناً مختلفاً، حتى عندما تُستخدم هذه القدرات في إنتاج الكهرباء ودعم الاقتصاد.
في المقابل، بنت إيران جزءاً أساسياً من نفوذها على امتلاك دورة وقود متقدمة وقدرات تخصيب وضعتها قريباً من العتبة النووية. وهنا يكمن الفرق بين المسارين.
“اتفاق 123” لا يجعل السعودية في الموقع الذي وصلت إليه إيران، لكنه يضعها على طريق بناء قاعدة معرفية ومؤسساتية قادرة على تقليص الفجوة خلال السنوات المقبلة.
الرياض تقدم نموذجاً مختلفاً عن النموذج الإيراني. لا عزلة ولا عقوبات ولا صدام مفتوح مع القوى الكبرى. هناك شراكة مع الولايات المتحدة، وتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واستثمار مباشر في المؤسسات والعقول.
هذا النموذج يمنح المملكة عناصر قوة لا تملكها طهران بالحجم نفسه. السعودية تمتلك قدرة تمويلية واسعة، واستقراراً اقتصادياً، وخيارات متعددة بين الشركاء، وإمكانات كبيرة لاستقطاب الشركات والخبرات.
وإذا نجحت في توطين التكنولوجيا، فلن تبقى إيران الطرف الخليجي الوحيد القادر على تحويل المعرفة النووية إلى نفوذ سياسي.
قيمة المشروع لا تتوقف عند ميزان القوى. الطاقة النووية جزء من التحول الاقتصادي الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومن محاولة إعادة تعريف موقع السعودية في العالم.
المملكة لا تتجه إلى الطاقة النووية للتخلي عن النفط، بل لاستخدامه بطريقة أكثر ربحاً. كل كمية من النفط أو الغاز تستهلك محلياً لإنتاج الكهرباء هي كمية لا تدخل إلى الأسواق أو الصناعات التحويلية الأعلى قيمة.
المفاعلات يمكن أن توفر طاقة ثابتة للمدن الجديدة والمصانع وتحلية المياه ومراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي، وأن تكمل الإنتاج المتغير من الشمس والرياح.
عندها لا تبقى السعودية دولة تقود سوق النفط فقط، بل تصبح دولة تمتلك مزيجاً واسعاً من مصادر الطاقة وتستخدمه لبناء اقتصاد صناعي وتقني قادر على المنافسة.
هذا هو جوهر رؤية محمد بن سلمان. المملكة لا تريد أن تبقى سوقاً تشتري أحدث المنتجات، بل تسعى إلى الدخول في صناعتها. ولا تريد الاكتفاء بتمويل التكنولوجيا، بل تعمل على تدريب الكفاءات السعودية وتوطين المعرفة وتحويل الشراكات الدولية إلى قدرات وطنية.
نجح ولي العهد في نقل النقاش من سؤال عما إذا كان يحق للسعودية امتلاك برنامج نووي إلى سؤال آخر: ما حجم هذا البرنامج، ومن هم شركاؤه، وكم ستوطن المملكة من معارفه وصناعاته؟
هذا التحول يعكس موقعاً سعودياً جديداً في العلاقة مع القوى الكبرى.
واشنطن عنصر حاسم في المسار، لكنها ليست مصدر القوة الوحيد. قوة الرياض تأتي أيضاً من السوق والاستثمار والطاقة والموقع السياسي والقدرة على المفاضلة بين الشركاء. وهذه القدرة هي ما دفع الولايات المتحدة إلى الدخول في المشروع بدلاً من ترك الساحة للصين أو روسيا أو غيرهما.
لن يُقاس نجاح “اتفاق 123” بتوقيعه فقط، ولا بعدد المفاعلات التي قد تُبنى. المعيار الحقيقي هو حجم المعرفة التي ستنتقل إلى المملكة، وعدد المهندسين الذين ستدرّبهم، ودور الشركات السعودية في الصناعة والتشغيل والصيانة.
الاتفاق لا يكسر اليوم تفوق إيران، ولا ينهي احتكار إسرائيل. لكنه يضع أول حجر في مشروع سعودي قادر، إذا اكتمل، على تغيير المعادلة.
في القرن الماضي، جعل النفط السعودية قوة لا يمكن تجاوزها. واليوم يعمل محمد بن سلمان على إضافة الذرة والذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة إلى عناصر هذه القوة، وتقديم نموذج عربي لا يكتفي بالشعارات، بل يبني المعرفة والمؤسسات والقدرة على المنافسة.
المصدر: “ليبانون ديبايت” – المحرر السياسي