ما فعلته إسرائيل في عين عطا يدق ناقوس الخطر

تشي وقائع الأيام التي انقضت على دخول لبنان مدار وقف اتفاق النار وفق مذكرة وزارة الخارجية الأميركية، بأن إسرائيل تميل إلى الإبقاء على الستاتيكو العسكري الحالي والذي أرسته هذه المذكرة، حتى أنها تعمل على توظيفه لمصلحة مشروعها القديم المتجدد في لبنان. والأفظع في ما يتكشّف يومياً على الأرض في الجنوب، أن اتفاقية وقف إطلاق النار التي تمّ التداول بها، سواء في صيغتها المعروضة أو كما وردت في المذكرة التي نشرتها وزارة الخارجية الأميركية عقب اجتماع واشنطن الأول، تحمل في طياتها بنوداً بالغة الخطورة على لبنان. ويركز الخبير الإستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب، على المادة الثالثة من هذا الإتفاق ال”واضحة جداً”، إذ تنصّ على احتفاظ إسرائيل بحق التصرف بكل الوسائل لمواجهة ما تعتبره أخطاراً محدقة أو وشيكة، أو حتى مجرد التخطيط لتهديدات محتملة، وبذلك، يمنح هذا البند إسرائيل عملياً، غطاءً للتحرك عسكرياً، بما في ذلك استهداف وتدمير أي منزل يُشتبه بوجود أسلحة فيه، وصولاً إلى واقعٍ يضع لبنان، في حال توقيعه على الإتفاق، في موقع العاجز عن الإعتراض على مثل هذه العمليات، ما يشكل مساساً مباشراً بسيادته.

لكن ما يكشفه العميد ملاعب ل”ليبانون ديبايت”، يتجاوز كل نقاط الإتفاق ليصل إلى ما تنفذه إسرائيل على الأرض، وتحديداً في بلدة عين عطا، حيث يتحدث ملاعب عن تطور ميداني خطير تمّ رصده منذ يومين، إستناداً إلى شهادات شهود عيان في بلدة عين عطا، عندما دخلت القوات الإسرائيلية إلى البلدة، وأقامت نقطة عسكرية حددت عندها ما يسمى بـ”نهاية الخط الأصفر”. واللافت، بحسب ملاعب، أن هذه النقطة سُمّيت بتعبير عبري بدل استخدام اسم البلدة، ما يثير مخاوف من نية إسرائيل تكريس وجود دائم في هذه المناطق.

ويتابع أن استخدام تسميات عبرية داخل ما يُعرف بالخط الأصفر قد يدل على توجه إسرائيلي لفرض واقع جديد على الأرض، من خلال اعتبار هذه النقاط جزءًا من نطاق نفوذها، الأمر الذي قد يصعّب لاحقاً أي انسحاب أو تراجع عنها.

وعلى الصعيد العسكري، يحذر العميد ملاعب من أن الاستراتيجية التي اعتمدها “حزب الله”، والمتمثلة في السماح للقوات الإسرائيلية بالتقدم ثم استهدافها عبر الكمائن، في ما يُعرف بـ”الدفاع المرن”، تحمل مخاطر كبيرة. فبحسب تقديره، عندما يتقدم الجيش الإسرائيلي إلى نقطة معينة، لا يعود عنها، بل يعمد إلى تثبيت وجوده عبر إنشاء مواقع دائمة ومراكز عسكرية ومراصد. وهنا، يؤكد ملاعب أن فترة وقف إطلاق النار الحالية، تُستغل من قبل إسرائيل لتعزيز هذا التمركز، بالتوازي مع منع الأهالي من العودة إلى قراهم، والبدء بعمليات تدمير وتجريف ممنهجة لإزالة معالم هذه القرى، ما أدى إلى تكريس الواقع الميداني القائم.

وحول ما يتردد عن أن ما يحصل في الجنوب يُدار من الخارج، يعتبر ملاعب أن ما يجري في باكستان سواء سلباً أو إيجاباً، له انعكاسات غير مباشرة على لبنان، رغم تأكيد الدولة اللبنانية أن قرار التفاوض مستقل وليس بيد إيران، إلاّ أنه يشير إلى أن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وكما يتمناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يزال عالقاً عند بنود حساسة، من بينها مطالب إيرانية تتعلق بالحصول على ضمانات دولية بعدم التعرض لها.

ومن بين هذه المطالب، إصدار بيان عن مجلس الأمن الدولي يضمن عدم الإعتداء على طهران، إلاّ في حال كانت هي الطرف المعتدي، إضافة إلى تعهدات صريحة بعدم استهدافها من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، إذ يرى ملاعب أنه في حال نجحت إيران في فرض مثل هذه الشروط، فلن يكون من الصعب عليها المطالبة بوقف إطلاق النار في لبنان بشكلٍ دائم، خصوصاً في ظل “فاعلية” دور حلفائها في دعمها إقليمياً، سواء في العراق أو لبنان، مع استمرار تهديدات الحوثيين باستخدام أوراق ضغط إضافية، كإمكانية إغلاق مضيق باب المندب.

ويضيف ملاعب أن أحد قادة الحوثيين صرّح أخيراً بأن إغلاق هذا المضيق سيمنع أي طرف من إعادة فتحه، ما يعكس حجم التعقيد في المشهد الإقليمي. وبناءً على ذلك، يرى ملاعب أن نجاح المسار التفاوضي سيقود إيران إلى تثبيت نفوذها وحماية حلفائها، بينما فشل هذه المفاوضات، أو تعرضها مجدداً لهجمات جديدة من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، سيؤدي إلى رد إيراني قد يشارك فيه “حزب الله” بشكل مباشر.

غير أن ملاعب، يجد أن الأطراف المنخرطة في مفاوضات باكستان، ورغم جلوسها إلى طاولة الحوار، لا تزال تستعد لسيناريو الحرب، في ضوء قناعتها أن هذه الجولة ليست سوى مرحلة ضمن صراع طويل، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، يسعى لإنهاء القتال وتقديم ذلك كإنجاز، إلاّ أنه يواجه صعوبة في تحقيق نصر واضح، والعودة إلى الأميركيين بإنجاز فتح مضيق هرمز فقط خصوصاً في ظل التعقيدات المحيطة بهذا الملف، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة في المرحلة المقبلة.