العد العكسي للانفجار الداخلي

“ليبانون ديبايت” – محمد المدني

عندما يختلط فيها الدم بالخراب، يصبح الحديث عن التفاوض تحت النار أقرب إلى مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر، لا إلى خيار إنقاذي كما يعتقد داعمي فكرة التفاوض المباشر مع اسرائيل.

إن استحضار تجربة اتفاق 17 أيار ليس ترفاً سياسياً، بل إنذار بأن أي اتفاق يُفرض في ظل اختلال داخلي وانقسام سياسي، ومن دون غطاء وطني جامع، مصيره السقوط، ولو بعد حين، وربما بثمن أعلى.

اليوم، لا يبدو أن لبنان يمتلك هذا الغطاء للتفاوض مع إسرائيل، خصوصاً أن نيران الحرب لم تخمد بعد. فالمواقف المعلنة تعكس عمق الانقسام الدائر. فمن جهته الرئيس نبيه بري يرفض الانخراط في هذا التفاوض، ليس من باب المناورة، بل لأنه يدرك أن بيئته التي تنزف، والمرتبطة بـ حزب الله، لن تقبل أي مسار تفاوضي يُقرأ كتنازل تحت الضغط.

لذلك يقف الرئيس بري اليوم أمام معادلة قاسية، فهو لا يستطيع السير في التفاوض من ناحية، ولا يملك ترف كسره بالكامل من ناحية أخرى، فيلجأ رئيس حركة أمل إلى تجميد مسار التفاوض بانتظار لحظة أقل كلفة.

في المقابل، يرفع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط السقف في هذا الإطار، ويخرج عنه انه يرفض الذهاب إلى المفاوضات من دون تمثيل شيعي كامل.

هذا ليس تفصيلاً ميثاقياً، بل قطع طريق على أي محاولة لتمرير اتفاق ناقص أو لتجاوز مكوّن أساسي تحت عنوان الضرورة، إنها رسالة مباشرة مفادها أنّ الشرعية في لبنان لا تُصنَّع ولا تُستبدل.

ما بين الرفض والتشدد، يتكشّف واقع أكثر خطير وهو أن لبنان اليوم وكالعادة بلا قرار وطني موحّد. وأي مسار تفاوضي مع اسرائيل في ظل هذا الانقسام لن يكون سوى اتفاق هش، محكوم بالفشل منذ لحظة ولادته. والخطر الحقيقي ليس في تكرار الماضي حرفياً، بل في إعادة إنتاجه بشكل أكثر خطورة، حين يُدفع لبنان إلى تسوية لا تشبهه، ولا تعكس توازناته.

الحقيقة القاسية أن لبنان اليوم غير قابل لأي اتفاق مفروض. بلد يُهجَّر شعبه ويُقتل أبناؤه لا يمكن أن يوقّع تحت الضغط، ولا يمكن أن يبتلع تسوية لا تشبه وجعه. وأي محاولة للقفز فوق هذا الواقع لن تصنع استقراراً، بل ستؤسس لانفجار أكبر.