أوردت صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير لها أن الصراع المحتدم بين حزب الله وإسرائيل يتسبب في تعميق عزلة الحزب داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع تصاعد موجة الغضب الشعبي والاحتقان الطائفي جراء تفاقم الدمار وحركة النزوح في البلاد.

وبحسب ما جاء في التقرير الذي أعده مراسلو الصحيفة، فإن قيام حزب الله بإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل يوم الأحد الماضي، أدى إلى رد عسكري إسرائيلي واسع النطاق، خلف حتى الآن 634 قتيلاً في لبنان وأجبر أكثر من 800 ألف شخص على النزوح من ديارهم.

وعلى الرغم من أن حزب الله لا يزال يحظى بقاعدة شعبية قوية، إلا أن قرار الدخول في هذه الحرب أثار موجة استياء عارمة في مختلف أنحاء لبنان، خصوصاً مع معاناة البلاد أصلاً من تداعيات الحرب السابقة مع إسرائيل عام 2024. ويرى المنتقدون أن الحزب يقاتل بالوكالة عن إيران أكثر من دفاعه عن لبنان.

ويوضح التقرير أن هذا السخط لم يقتصر على الخصوم التقليديين للحزب، بل تعداه ليشمل شريحة واسعة من المجتمع الشيعي، حيث يعارض جزء من أبناء الطائفة الانخراط في هذه الحرب.

حتى حركة أمل، الحليف السياسي الأبرز لحزب الله، أبدت معارضتها لدخول الحزب في المواجهة، وصوتت الأسبوع الماضي لصالح قرار يقضي بحظر أنشطته العسكرية، في خطوة تعتبر الأكثر جرأة من الدولة اللبنانية ضد الحزب حتى الآن، على الرغم من صعوبة تطبيقها على أرض الواقع.

وقال عماد سلامي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية: إن “المزاج الطائفي العام في البلاد، باستثناء البيئة الشيعية، بات معادياً لحزب الله، مضيفاً أن بعض الشيعة أنفسهم يعارضون الحرب أيضاً”. وأشار إلى تزايد الأصوات المطالبة باتخاذ إجراءات أكثر حزماً من قبل الدولة لنزع سلاح الحزب، حتى وإن أدى ذلك إلى مواجهة مباشرة معه، وهو الأمر الذي سعت الدولة لتجنبه على مدى سنوات.

كما تسببت الغارات الإسرائيلية في نزوح مئات الآلاف من سكان الجنوب، الذين ينتمي معظمهم إلى الطائفة الشيعية، إلى مناطق في بيروت ذات أغلبية غير شيعية، الأمر الذي أثار مخاوف من تحول الغضب تجاه حزب الله إلى توتر بين المجتمعات المحلية والنازحين.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الحرب قد يقود إلى تصعيد خطير في بلد لا يزال يعاني من تركة ثقيلة من الحرب الأهلية، حيث تلعب الانقسامات الطائفية دوراً محورياً في النظام السياسي.

من جهته، قال مايكل يونغ من مركز كارنيغي في بيروت إن “دعم حركة أمل لقرار حظر أنشطة حزب الله العسكرية يعكس مستوى متزايداً من العزلة، لكنه أشار إلى أن رئيس الحركة نبيه بري ليس في وارد الدخول في صدام مع الحزب أو خلق انقسام داخل الطائفة الشيعية”.

في المقابل، يتعرض حزب الله لضغوط سياسية متزايدة من الدولة اللبنانية أيضاً، في ظل المطالبات الإسرائيلية المتكررة بأن يتخذ الجيش اللبناني إجراءات ضد الحزب. وقد اتهم رئيس الجمهورية جوزيف عون “مطلقي الصواريخ بالسعي إلى تدمير الدولة اللبنانية”.

وعلى الرغم من حالة التعب والإرهاق التي تسود في بعض الأوساط الشيعية، يؤكد التقرير أن الحزب لا يزال يتمتع بدعم قوي بين قاعدته الأساسية، التي ترى في المواجهة مع إسرائيل “جزءاً من معركة وجودية تتطلب التضحيات”.