
حذّرت صحيفة “نيويورك تايمز” من أن لبنان يقف اليوم عند “نقطة تحوّل” حساسة مع تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة اللبنانية لاتخاذ خطوات حاسمة للحد من نفوذ الحزب ونزع سلاحه.
وبحسب تقرير أعدّته الصحافية كريستينا غولدباوم من بيروت، فإن الدولة اللبنانية حاولت طوال العام الماضي السير على حبل دقيق في تعاملها مع حزب الله: الاستجابة لضغوط الولايات المتحدة وحلفائها للتحرك ضد الحزب، مع تجنّب صدام مباشر قد يشعل حرباً أهلية داخل البلاد.
لكن هذا التوازن بدأ يتصدع مع اندلاع جولة جديدة من القتال. فقد شنّ الجيش الإسرائيلي في الساعات الأخيرة غارات مكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، ما أدى إلى نزوح آلاف السكان من المنطقة وقضاء كثير منهم الليل في شوارع وسط العاصمة.
وفي هذا السياق قال مدير معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت سامي نادر إن البلاد وصلت إلى “لحظة التحوّل”، مضيفاً: “إما أن نذهب إلى سيناريو مظلم حيث يندلع صدام بين الجيش اللبناني وحزب الله، أو أن يلتزم الحزب بقرار الحكومة وينزع سلاحه”.
ويشير التقرير إلى أن التصعيد الحالي بدأ بعد إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل هذا الأسبوع رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ما فتح جبهة قتال جديدة وغيّر الحسابات السياسية داخل بيروت.
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت الحكومة اللبنانية أن النشاط العسكري لحزب الله غير قانوني، وهو قرار يُعد عملياً محاولة لتجريد التنظيم الذي كان يُنظر إليه كأقوى قوة عسكرية وسياسية في البلاد من شرعيته العسكرية.
وردّ حزب الله بتحذير مبطن، إذ قال القيادي في الحزب محمد رعد إن حكومة “ضعيفة” يجب ألا تخلق مشكلات داخلية قد تزيد التوتر والاضطراب.
ورغم ذلك، مضت الحكومة في موقفها، معلنة إجراءات ضد أي عناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان، بما في ذلك العمل على ترحيلهم.
ويعيد التقرير التذكير بأن المواجهة بين حزب الله وإسرائيل تعود إلى تشرين الأول 2023 عندما فتح الحزب جبهة مع إسرائيل تضامناً مع حركة حماس، قبل أن تنتهي تلك الحرب بوقف إطلاق نار في تشرين الثاني 2024 بعد دمار واسع في لبنان وخسائر كبيرة في صفوف الحزب.
ومنذ ذلك الحين، يقول محللون إن الحرس الثوري الإيراني لعب دوراً متزايداً داخل لبنان، حيث ساهم في تعويض خسائر حزب الله البشرية وأثر بشكل مباشر على قراراته العسكرية.
وفي مؤشر على بدء تنفيذ قرار الحكومة، أعلن الجيش اللبناني توقيف 26 لبنانياً عند حواجز عسكرية بتهمة حيازة أسلحة غير قانونية، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءاً من مسار الحد من نفوذ الحزب.
وخلال العقدين الماضيين تمكن حزب الله من ترسيخ نفسه كالقوة العسكرية والسياسية الأقوى في البلاد، إلا أن موقعه بدأ يتغير بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل التي استنزفت جزءاً كبيراً من ترسانته وأضعفت قدراته.
كما تزايد الاستياء داخل قاعدته الشعبية، خصوصاً بين الشيعة الذين نزح كثير منهم خلال الحرب.
واستغلت الدولة اللبنانية هذا التراجع، إذ تمكن البرلمان بعد سنوات من الجمود السياسي من تشكيل حكومة جديدة وسط دعوات متصاعدة لنزع سلاح الحزب وإعادة التوازن إلى النظام السياسي.
ومع ذلك، تعرض الجيش اللبناني لانتقادات بسبب بطء تحركه، إذ يؤكد قادته أن الحذر ضروري لأن الحزب لا يزال يمتلك قوة عسكرية كبيرة، وأي مواجهة مباشرة قد تتحول سريعاً إلى صراع داخلي واسع.
ورغم أن الحزب لا يزال يمتلك قدرات عسكرية، يقول خبراء إنه اليوم أضعف سياسياً وعسكرياً من أي وقت مضى، بعد تدمير جزء كبير من ترسانته وتزايد عزلته السياسية.
فقد خسر الحزب أيضاً أحد أبرز حلفائه السياسيين، حركة أمل، التي دعمت الحكومة في قرارها حظر النشاط العسكري لحزب الله.
ويقول الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن بول سالم إن قرار الحكومة يمثل “خطاً فاصلاً مهماً للدولة”، مضيفاً أن الخطوة تظهر حجم التراجع الذي أصاب الحزب مقارنة بالماضي.
لكن سالم يطرح السؤال الأهم: “إذا وجد حزب الله نفسه محاصراً بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، فهل سيغيّر استراتيجيته أم يلجأ إلى إثارة اضطرابات داخلية كبيرة؟ هذا هو السيناريو الذي يخشاه الجميع”.