
– سمر يموت
مع ساعات الفجر الأولى، استيقظ اللبنانيون، خاصة في الضاحية الجنوبية لبيروت، على غارات إسرائيلية مفاجئة، جاءت كرد فعل على عمليات نفذها “حزب الله” استهدفت مواقع إسرائيلية، مما فتح فصلاً جديداً من التصعيد. دقائق معدودة كانت كافية لتحويل الضاحية، ومعها الجنوب والبقاع، إلى مناطق نزوح مفتوحة، حيث لم يكن أمام آلاف العائلات خيار سوى الفرار من الاعتداءات الإسرائيلية التي جاءت هذه المرة دون سابق إنذار.
هذا المشهد أعاد إلى الأذهان ما يعيشه اللبنانيون منذ أكثر من عام من دورات التصعيد والنزوح المتكررة. ومع ازدياد حركة النزوح، تحولت الطرقات، خاصة مداخل العاصمة، إلى طوابير طويلة من السيارات العالقة في زحمة سير خانقة، بالتزامن مع إقبال المواطنين على محطات الوقود خوفاً من انقطاع البنزين أو توسع نطاق المواجهات.
الطرقات اكتظت بالسيارات المحملة على عجل، المركونة على جانبي الطريق، بينما افترشت العائلات الأرصفة بانتظار وجهة آمنة. لم يكن هناك وقت للتفكير أو التخطيط، فصوت الانفجارات المتتالية كان أسرع من أي استعداد. وبينما سعى بعض الأهالي للوصول إلى منازل أقارب أو أصدقاء، توجه آخرون مباشرة إلى المدارس الرسمية والخاصة التي فتحت كمراكز إيواء طارئة.
وفي جولة ميدانية لـ على عدد من المدارس في منطقة زقاق البلاط التي تحولت إلى مراكز إيواء، تكرر المشهد نفسه الذي عرفه اللبنانيون منذ حرب تشرين الأول-أكتوبر 2024. تحولت صفوف الدراسة إلى أماكن للمبيت، ولم تعد الحقائب المدرسية هي الظاهرة، بل أكياس الملابس والبطانيات الخفيفة. عائلات بأكملها تتقاسم مساحة ضيقة، بينما يحاول الأطفال اللعب في ساحات المدارس على وقع أصوات الطائرات المسيرة التي تحلق منذ ساعات الصباح فوق رؤوسهم.
على مداخل المدارس، وقف عناصر أمن يرتدون سترات صفراء لتنظيم دخول الأهالي. وعندما تمتلئ المدارس، يضطر هؤلاء للاعتذار من العائلات التي وصلت حديثاً، والتي وقفت على الأبواب تتوسل الدخول على أمل إيجاد مأوى مؤقت يحميها من قضاء ليلة أخرى في العراء.
شهادات حية رصدها “ليبانون دييبايت” تختصر حجم المعاناة. تقول سيدة نزحت من حي السلم: “وصلنا إلى المدرسة هنا عالموتو، (مدرسة الليسيه عبد القادر القديمة المهجورة في منطقة مار الياس)، الساعة خمسة الصبح. ولا زلنا نقف على أرجلنا بسبب الغبار، ما كان في محل نقعد فيه”. وفي زاوية الصف نفسه، كانت سيدة أخرى تكنس الأرض استعداداً لتحويله إلى مقر مؤقت لعائلتها المكونة من خمسة أفراد، بعدما امتلأت المدارس المفتوحة في المنطقة.
في المقابل، امتلأت مدارس زقاق البلاط بالعائلات النازحة. واشتكى بعض النازحين من نقص في كل شيء، الفرش، البطانيات، الطعام، خاصة للأطفال، وحتى المياه. اضطر بعضهم إلى طلب بطانيات ووسائد عبر خدمة “الدليفري”، بينما عاد آخرون إلى منازلهم على الدراجات النارية لجلب ما خف وزنه من الحاجيات الضرورية، في حين انتشر آخرون في الصيدليات والسوبر ماركت القريبة لشراء ما يحتاجونه من حليب وأدوية ومواد غذائية.
وشكا الأهالي في حديث لـ من أنهم خرجوا “بالثياب التي عليهم فقط”. وصل الكثيرون بملابس النوم، والأطفال بلا ملابس احتياطية أو ملابس دافئة، في حين أن الطقس لا يزال بارداً، خاصة خلال الليل. وحتى الآن، لم يتم توفير البطانيات واللوازم الأساسية من فرش وأغطية ومواد غذائية بشكل كاف، مما يزيد من المعاناة اليومية التي تتجاوز الخوف من القصف إلى القلق على أبسط مقومات العيش.
ما يزيد القلق هذا العام هو أن الاعتداءات الإسرائيلية تزامنت مع شهر الصوم، مما يقلل من قدرة الناس على التحمل. تقول إحدى الأمهات وهي تحاول لف طفلها بمعطف خفيف: “ما أخدنا معنا شي… بس طلعنا نركض”. عبارة تختصر حال آلاف العائلات التي وجدت نفسها مرة أخرى في دائرة النزوح، وكأن الزمن في لبنان يعيد نفسه بلا توقف، والخوف دائماً هو سيد الموقف.