
:
على الرغم من مرور أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، وفي هذا السياق، تظهر محاولات متكررة لخلق فوضى داخلية وإثارة النزاعات والانقسامات بين أفراد المجتمع في غزة. يرى مراقبون أن هذه المساعي تندرج في إطار استراتيجية تهدف إلى إضعاف الجبهة الداخلية وتفتيت الدعم الشعبي للمقاومة، وذلك باستخدام وسائل سياسية وأمنية وإعلامية معقدة، تسعى إلى زعزعة الاستقرار ونشر الفوضى بما يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي.
، يوضح محمود طه، مسؤول العلاقات الإعلامية لحركة حماس في لبنان، أن الوضع الداخلي في قطاع غزة يواجه تحديات متزايدة ومتشابكة منذ بداية العدوان في أكتوبر 2023، وذلك بسبب الجهود الإسرائيلية المستمرة لتغيير الواقع الداخلي للقطاع بما يتناسب مع أهدافها الأمنية والسياسية.
ويشير إلى أن أولى هذه المحاولات كانت ما يعرف بمشروع “العشائر البديلة المحلية”، حيث سعت إسرائيل، منذ أواخر عام 2024، إلى التواصل مع بعض الشخصيات البارزة في العشائر لتكليفهم بمهمة توزيع المساعدات الإنسانية بعيداً عن الإدارة الحالية، وذلك في محاولة لإنشاء سلطة موازية أو بديلة داخل القطاع. لكن هذا المشروع، وفقًا لهذا التقييم، لم ينجح في فرض واقع جديد، ولم يحظَ بقبول شعبي يمكنه من الاستمرار.
ويوضح طه أن المحاولة الثانية تمثلت في استهداف نظام تأمين المساعدات الإنسانية. فقد تعرضت العناصر المحلية من الشرطة والأمن الداخلي، الذين كانوا يقومون بحماية قوافل الإغاثة، لهجمات مباشرة، مما أدى إلى إضعاف نظام الحماية وفتح المجال لانتشار عصابات منظمة لسرقة المساعدات. يُنظر إلى هذا التطور على أنه جزء من جهد أوسع لنشر الفوضى وانعدام الأمن، ودفع السكان إلى الشعور بالحاجة إلى طرف خارجي يتولى إدارة شؤون القطاع.
وفي السياق ذاته، يوضح أن المحاولة الثالثة تمثلت في تكثيف الحرب النفسية والتحريض الإعلامي، من خلال وسائل الإعلام وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي وشخصيات مدنية، لنشر الشائعات وتأليب الرأي العام ضد الإدارة الحالية في غزة. لكن هذه الجهود، وفقًا لهذا الطرح، لم تحقق أهدافها، وذلك بسبب ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي وتمسك شريحة كبيرة من الفلسطينيين بخياراتهم الوطنية.
وعلى الصعيد السياسي، يشير طه إلى أن الاجتماع الذي عُقد في واشنطن بتاريخ 19 من الشهر الجاري لما يُعرف بـ “مجلس السلام”، لم يسفر عن نتائج عملية ملموسة. حيث لا تزال إسرائيل تسيطر على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، ولم تنسحب من المناطق التي أعادت احتلالها، كما لم يتم تمكين اللجنة الوطنية الانتقالية المتفق عليها من جميع الفصائل الفلسطينية من تولي مهامها في إدارة القطاع.
ويضيف طه أنه وفقًا لما تم الإعلان عنه، فإن الجهة التي من المفترض أن تتولى إدارة قطاع غزة هي اللجنة الوطنية التي تم تشكيلها بموافقة مختلف الفصائل، برئاسة الدكتور علي شعث. وكان من المفترض أن تبدأ هذه اللجنة مهامها بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي أعادت احتلالها عقب عدوان الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالإضافة إلى فتح المعابر، وإدخال الاحتياجات الأساسية، والشروع في عملية إعادة الإعمار. لكن عدم تنفيذ هذه البنود حال دون بدء عمل اللجنة بشكل فعلي.
وفي المقابل، يرى أن القطاع يشهد أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل استمرار الحصار والتصعيد، وانقطاع التيار الكهربائي، وتفاقم معاناة آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام متداعية تتأثر بالظروف الجوية القاسية من برد ورياح، كما أن القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الأساسية تعيق وصول المواد الغذائية والطبية والإغاثية، مما يزيد من تفاقم الأزمة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث تتضاعف الأعباء المعيشية على السكان.
وفي ضوء هذه الحقائق، يطالب طه بتحرك دولي سريع يهدف إلى وقف التصعيد، وضمان تنفيذ أي اتفاقيات تم التوصل إليها، بما في ذلك فتح المعابر، وتسهيل إدخال المساعدات، وتمكين الجهة الإدارية المتفق عليها من القيام بمهامها، مما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية المتزايدة في قطاع غزة وتهيئة الظروف لأي مسار سياسي مستقبلي.