اكتشاف هام: عقار قديم يبطئ عملية الشيخوخة

في الوقت الحاضر، يعيش الكثير من الناس أعمارًا أطول مقارنة بآبائهم وأجدادهم، ولكن هذه السنوات الإضافية غالبًا ما تكون مصحوبة بالعديد من الأمراض المزمنة. ولهذا السبب، يسعى العلماء جاهدين لجعل هذه العقود الأخيرة من العمر “زمنًا ذهبيًا” حقيقيًا، بدلًا من مجرد فترة إضافية، وذلك من خلال دراسة طرق لتأخير التدهور البيولوجي الذي عادة ما يشتد بعد سن الخامسة والستين.

إحدى الطرق التي جذبت انتباهًا كبيرًا تعتمد على التدخلات الكيميائية بدلًا من الحميات الغذائية الصارمة.

الحد من السعرات الحرارية وفوائده

إن تقليل السعرات الحرارية المتناولة دون التسبب في سوء التغذية يطيل أعمار الفئران والديدان وحتى قرود الريسوس، لكن الالتزام بهذا النوع من الحميات يعتبر أمرًا صعبًا وقد يؤدي إلى الدوار، هشاشة العظام، وتساقط الشعر.

لذلك، يعمل الباحثون على تطوير أدوية توفر نفس الفوائد دون الحاجة إلى تغيير النظام الغذائي اليومي المعتاد.

أهمية أبحاث الشيخوخة

تدفع الشيخوخة الخلايا نحو الخلل الوظيفي، الأمر الذي يساهم في أكثر أسباب الوفاة شيوعًا مثل أمراض القلب، السرطان، والخرف. لذا، فإن تأخير هذه العملية الأساسية قد يقلل من عبء العديد من الأمراض في وقت واحد، بدلًا من التركيز على علاج كل مرض على حدة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تحسين القدرة على البقاء بصحة جيدة لسنوات أطول في سن مبكرة يمكن أن يوفر مليارات الدولارات من تكاليف الرعاية الصحية، ويحسن نوعية حياة ملايين الأشخاص.

دواء ريلمينيدين يثير الاهتمام

إحدى النتائج الجديرة بالملاحظة هي اكتشاف دواء “ريلمينيدين”، المستخدم عن طريق الفم لعلاج ارتفاع ضغط الدم منذ 30 عامًا. فبعد تحليل البيانات باستخدام تقنيات التعلم الآلي، قام فريق بقيادة عالم الشيخوخة الجزيئية جوان بيدرو ماغالهايس من جامعة برمنغهام باختباره على ديدان “Caenorhabditis elegans”، وهي ديدان صغيرة شائعة الاستخدام في أبحاث الشيخوخة.

وأكد ماغالهايس: “لأول مرة تمكنا من إثبات أن ريلمينيدين يزيد من عمر الحيوانات”.

ولاحظ الفريق أيضًا أن الديدان المسنة استفادت تقريبًا بنفس قدر الديدان الصغيرة، مما يشير إلى أن البشر قد لا يحتاجون إلى البدء بالعلاج في منتصف العمر.

آلية عمل الدواء

يرتبط ريلمينيدين بمستقبلات الإيميدازولين الموجودة على غشاء الخلايا، والتي تنظم عملية التمثيل الغذائي. وفي الديدان، كان مستقبل يُدعى “nish-1” ضروريًا لتأثير الدواء على العمر. فعند إزالة هذا المستقبل، اختفت الفوائد، وعند إعادة إدخاله عاد تأثير زيادة العمر.

وبعد العلاج، زادت عملية الالتهام الذاتي للخلايا (Autophagy)، وتحسنت مقاومة الديدان للحرارة، دون أي تأثير على النمو أو الخصوبة، مما يشير إلى أن الدواء يستهدف مسارات الشيخوخة فقط.

التجارب على الثدييات

عندما تم تجربة الدواء على الفئران، أظهرت أنسجة الكبد والكلى تغييرات في التعبير الجيني مماثلة لتلك الناتجة عن التقييد الكلاسيكي للسعرات الحرارية. كما تحسنت مؤشرات الدم المرتبطة بعملية التمثيل الغذائي إلى مستويات شبيهة بالشباب، مما يدعم فكرة أن الدواء يقوم بتفعيل برامج بقاء قديمة محفوظة عبر الأنواع.

وبالنظر إلى أن ريلمينيدين معتمد بالفعل، يمكن أن تركز التجارب البشرية المبكرة مباشرة على المؤشرات البيولوجية مثل البروتينات الالتهابية، حساسية الإنسولين، وقوة العضلات. وميزة أخرى هي أن الدواء يؤخذ عن طريق الفم، مما يجعله أكثر سهولة مقارنة بالأدوية التي تحتاج إلى حقن أو حميات خاصة.

لا تزال الدراسات البشرية طويلة الأجل ضرورية لاستبعاد أي آثار جانبية طفيفة والتأكد من أن التحسن في المؤشرات البيولوجية يترجم إلى سنوات صحية أطول. ومع ذلك، يرى الخبراء أن الزخم يتزايد:

قال ماغالهايس: “مع شيخوخة السكان عالميًا، فإن فوائد تأخير الشيخوخة، حتى ولو بشكل بسيط، هائلة”.

من المتوقع أن تتطلب الموافقات التنظيمية الجديدة إرشادات خاصة للأدوية التي تستهدف الشيخوخة نفسها بدلًا من مرض محدد، بينما يناقش علماء الأخلاق الوصول العادل إلى هذه العلاجات. وإذا أثبت ريلمينيدين أو مركبات مشابهة سلامتها وفعاليتها، فقد تتمكن الأجيال القادمة من البقاء بصحة جيدة حتى سن الثمانين بطريقة علمية روتينية بدلًا من الاعتماد على الحظ.