
أوضح وزير الصناعة، جو عيسى الخوري، خلال مشاركته في لقاء بعنوان “الصناعة اللبنانية: من أجل مستقبل مستدام” والذي نظمته الشبكة المحلية للميثاق العالمي للأمم المتحدة، أن العالم يشهد تحولات جذرية في التجارة الدولية. هذه التحولات لا تقتصر على التطور الطبيعي للأسواق، بل تتعداها إلى إعادة هيكلة شاملة، لا تتم عبر الرسوم الجمركية أو الحصص، بل من خلال المعايير الجديدة.
وأشار الوزير إلى أن لبنان يواجه خيارين: إما اعتبار هذه التغيرات ضغوطًا خارجية، أو استيعابها وتحويلها إلى قوة دافعة للإصلاح والنمو. وأكد أن قواعد التجارة العالمية تتغير، وأن الاستدامة أصبحت جزءًا أساسيًا منها، وليست مجرد خيار إضافي، بل شرط ضروري لدخول الأسواق.
كما لفت الخوري إلى أن الأدوات التجارية المتعلقة بالكربون، ومتطلبات الاقتصاد الدائري، ومعايير التعبئة والتغليف، والتزامات العناية الواجبة وإمكانية التتبع، تؤثر بشكل مباشر على صياغة العقود، وسلاسل الإمداد، وقرارات التمويل، والاتفاقيات التجارية. كل ذلك يتطلب وجود أدلة موثوقة وقابلة للتحقق.
واعتبر أن تعزيز الصادرات اللبنانية في ظل هذه التطورات يشكل تحديًا وفرصة استراتيجية في الوقت نفسه. وأضاف أنه إذا أصبحت الاستدامة حاجزًا غير جمركي، فيجب التعامل معها بكفاءة واستعداد. وإذا أصبح الإفصاح لغة السوق، فيجب إتقانها. وإذا أصبح التحقق معيارًا للثقة، فيجب بناء أنظمة جديرة بها.
وأكد الخوري أن الاستدامة لم تعد مجرد مطلب خارجي في وزارة الصناعة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية الصناعية الوطنية. وأضاف أن أنظمة الرصد والإفصاح والتحقق (MRV) ليست مجرد إجراءات بيروقراطية، بل هي متطلبات صناعية حقيقية تمكّن الشركات من قياس الانبعاثات، وتتبع المواد، وقياس الكفاءة، وإثبات الالتزام بالمعايير، مما يقلل من مخاطر التمويل، ويفتح الأبواب أمام التمويل الأخضر، ويحمي المصدرين من الاستبعاد المفاجئ من الأسواق.
وأشار إلى أن الأدلة أصبحت الآن أصلًا اقتصاديًا، لكن الاستدامة يجب أن تتجاوز مجرد الامتثال لتصبح مصدرًا لخلق القيمة. وأوضح أن التصنيع الدائري يقلل من الاعتماد على الواردات، وأن تحسين كفاءة استخدام الطاقة يقلل من تكاليف الإنتاج، وأن ابتكارات التعبئة والتغليف تعزز التنافسية، في حين أن الشفافية في الإفصاح تعزز ثقة المستثمرين.
وأردف الخوري أن لبنان، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والمواد الأولية، يستفيد من كل وحدة نفايات يتم تجنبها، ومن كل زيادة في الكفاءة، ومن كل تقرير استدامة موثوق يسهل الوصول إلى الأسواق. وفي هذا السياق، تعمل الوزارة على تعزيز مفهوم “المسؤولية الممتدة للمنتج” (EPR) استنادًا إلى مبدأ “الملوّث يدفع”، كجزء من الإصلاحات الهيكلية، بحيث يرتبط الإنتاج بالمسؤولية القابلة للقياس.
وفي الختام، أكد أن هذه اللقاءات يجب ألا تقتصر على مجرد حوارات فنية جانبية، بل يجب أن تتحول إلى نقاشات حول موقع لبنان في سلاسل القيمة العالمية المستقبلية. وأشار إلى أن الهدف ليس مقاومة المعايير العالمية، بل الاستفادة منها بذكاء، من خلال التنسيق بين السياسات التجارية والصناعية والتنظيمات البيئية والأطر المالية، وبناء شراكات تعزز القدرات، للوصول إلى قطاع صناعي لبناني تنافسي وموثوق وجاهز للمستقبل. وشدد على أن الاستدامة لم تعد خيارًا يمكن تجاهله، بل أصبحت جزءًا من واقع الأسواق العالمية ومتطلباتها، وأن لبنان يستعد لعبور هذه المرحلة بثقة وتصميم.