نواف سلام: "الدولة العميقة" تترنح فرحًا بعد خطأ غير مقصود.

– نوال نصر

اللبنانيون، في هذه الظروف الصعبة التي تعود إلى “أيام بندق وفتيلة”، لا يجدون سندًا إلا “الله” – أقصد الإله الخالق وليس “حزب الله” بالطبع. يتضرعون إليه ليلاً ونهارًا، وكلما ظهرت علامة لامبالاة من المسؤولين الذين يفترض بهم أن يدعموا صمودهم اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وأمنيًا. وكلما تمنوا “بكرا أفضل”، يصدر قرار يعيدهم إلى الوراء، إلى أسفل سافلين. بالأمس، في شهر شباط هذا، صدر “القرار” المثير للدهشة من حكومة كانت تحمل وعودًا كبيرة.

القاضي نواف سلام اتخذ القرار المؤلم ثم عاد ليشرح مبرراته، مؤكدًا أن الحاجة إلى 800 مليون دولار دفعتهم إلى هذا الإجراء السريع. لكن هل اقتنع الناس بتفسيره؟ بالطبع لا. الحكومة اللبنانية تعيش حالة من عدم الاستقرار.

في خضم هذه الأحداث، يبدو الاتحاد العمالي الذي تأسس للدفاع عن حقوق العمال في “سابع نومة”. يستيقظ قليلًا ثم يعود إلى سباته العميق. بسام طليس، على سبيل المثال، هدد قائلاً: “سنتحرك في الشارع إذا لم نتوصل إلى حلول قبل الثلاثاء”. فلنتركه يستريح مع حبة “فاليوم” حتى ذلك الحين. رئيس الحكومة تحدث، لكن كلماته لم تلقَ الاهتمام الكافي. لم ينجح في شرح الوضع وتبرير تصرف حكومته، قائلاً: “لجأنا إلى الخيار الصعب لتوفير المال فوراً”. كلامه “صحّ” – وشرح الجهود المبذولة لتعزيز النظام الضريبي ومكافحة التهرب وتحسين الجباية الجمركية وتحصيل المال من المقالع والكسارات و… و… لكن الناس – بعيدًا عن الشعبوية – يشعرون “بالسخن”. لقد وقع الرئيس، الذي هلل الكثيرون لقدومه، في المحاذير الشعبية. الضريبة المباشرة أصابت حكومته – كما أصابت فقراء البلد – في الصميم.

اللبنانيون متعبون ومرهقون ومحطمون ومحبطون. كيف يمكنهم استعادة الثقة بحكومة سهّلت عليها مد يدها إلى جيوبهم؟ كيف يمكن للرئيس أن يتخذ مثل هذا القرار الضريبي المباشر في هذا التوقيت بالذات؟ من المستفيد من فقدان الثقة بحكومة انتظرها الكثيرون طويلاً ورحبوا بها؟ دولة الرئيس نواف سلام أخطأ، حتى وإن كان ذلك عن غير قصد.

ألم يخبر أحد الرئيس عن حكومات فقدت ثقة الشعب وسقطت على وقع “طرطقة الطناجر”؟ عمر كرامي – دولة الرئيس الراحل – أسقطته “ثورة الجياع” في الشارع في أيار 1992. سبع حكومات لبنانية أسقطت في الشارع. ألم يفكر سلام في ذلك يوم اتخذ قراره؟ مارون الخولي، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان، هو أحد الوجوه النقابية التي تعبت أصواتها من كثرة التحذيرات والتهديدات، لكنه اليوم يبدو متفاجئًا مثلنا. ماذا لديه ليقول اليوم؟ أجاب: “ما قامت به حكومة نواف سلام لم تقم به سواها. قررت الحكومة من دون أن تنتبه لتداعيات خطوتها. إنها المرة الثانية التي تقوم بها بهكذا خطوة. في المرة السابقة عاد وأنصف مجلس شورى الدولة الناس ضد حكومة تجاوزت سلطتها وألغى الزيادة على ضريبة المحروقات. ألبرت أينشتاين قال: الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة. حكومة نواف سلام كررت الخطأ مرتين”.

أخطأ نواف سلام. هناك من دفعه إلى الخطأ. هناك أذناب في هذه الدولة العميقة يهمهم أن يخطئ لكي تقل عزيمته تجاه ملفات تقلقهم. هناك من قرر – ونجح – في جعله يقع في متاهة الضرائب اللاشعبية ليصبح من هو معه ضده ومن هو ضده يبتسم. نواف سلام رجل تواق إلى إحقاق العدالة، لكن من تمرسوا في البلد بإرساء الظلم أقوى منه. جعلوه ينزلق ونجحوا. وهنا، لا بد من السؤال، ماذا عن مستشاريه؟ ماذا عن حلقات الأصدقاء المحيطين به؟ ألم ينصحوه؟

في كل الأحوال، في حساب سريع يعطي مارون الخولي هذه المعادلة: “الزيادة الضريبية على البنزين نسبتها 21 في المئة. يعني من شأنها – عكس كل النظريات الأخرى – زيادة الغلاء بنسبة ثلاثين في المئة. وإذا كان الحد الأدنى اليوم هو 320 دولارًا، فهذا معناه أن الحكومة أخذت من جيب المواطن نحو مئة دولار. فكيف لمواطن يئن يوميًا أن يُسحب منه هذا المبلغ ويصمت؟”.

المواطن اللبناني تعب. يقولون إنه يتحرك على “الريموت كونترول” ويراهنون أنه اليوم لن يتحرك، لكنهم نسوا أنه لكثرة ما تعرض له من ضربات ما عاد الحراك سهلاً عليه، لكن الخوف كل الخوف من المياه الراكدة.

الدولة هيبة. فلتستعد دولتنا هيبتها سريعًا. نواف سلام صارح اللبنانيين مؤكدًا المضي نحو نظام ضريبي جديد يخفف العبء عن أصحاب الدخل المحدود. هو صادق في ما قال، لكن الناس بحاجة إلى خطوات اليوم لا غدًا. إنهم يأكلون الضربات المتتالية ويقال لهم: غدًا أفضل. لذا، ما عادوا يصدقون. اللبنانيون الكادحون رأوا دولتهم البارحة تمد يدها إلى جيوبهم لتمويل كادحين آخرين. وهذا – في علم الاقتصاد – غباء.

سؤال يطرح اليوم، في ظل كل “المعمعة” التي نعيشها: أين الاتحاد العمالي العام؟ أين بشارة الأسمر؟ هو التقى نواف سلام وخرج ليقول: الواقع سيء للطبقة العاملة… وموقفنا رافض كاتحاد لكل الرسوم والضرائب التي طُرحت”. كلام دُرر. وماذا لو لم تستجب الحكومة؟ أجاب: “يبنى على الشيء مقتضاه”. جواب “مبكل”.

الأسوأ في كل ما حصل أخيرًا أنه أكد للناس – للبسطاء من الناس بالتحديد – أن كل التغيير الذي أرادوه مع مجيء العهد الجديد لم ينطلق بعد. فيد الحكومة لا تزال “طويلة” عليهم. وثمة من يعمد – على الدوام – إلى إلهائهم ليسهل عليه تمرير ما يريد. وما يفعل بهم ذلك كرره أيضًا مع نواف. ألا تتذكروا آخر مشهد مباشر من آخر موازنة منقولة تلفزيونيًا؟ هل نسيتم علي حسن خليل يحكي باسم الطبقة الكادحة من موظفي الدولة والعسكريين والمتقاعدين حاشرًا الحكومة في الزاوية؟ حُشر نواف سلام فأخطأ التصرف.

الناس – يا حكومة – ما عادوا قادرين على الهدوء والصمود. الضرائب تلاحقهم “متل الشتي”. قبل شهر وصلت “إيميلات” إلى كثير من الكادحين تطالبهم فيها وزارة المال بسداد رسوم تهربوا منها قبل خمسة عشر عامًا. كيف؟ أين؟ لماذا؟ لا يهم. وزارة المال ستحيلهم إلى النيابة العامة المالية إذا لم يفعلوا في غضون أيام. الكادحون عادة لا يتهربون. لذلك، خافوا فهرولوا إلى ماليات المناطق وسددوا من فتات ما صمد من عرق الجبين. هذا ترشيد؟ هذه عدالة؟ يا حرام، سدد هؤلاء عن ما لا يدرون. فهل أخبر وزير المال دولة الرئيس بذلك؟

هل ينتبه دولة الرئيس ووزير المال والدولة بأمها وأبيها إلى مئات آلاف المسنين في البلد ممن ليس لهم معيل؟ هؤلاء يا سادة ما زالوا في دولة تقول أنها تعمل على “الترشيد” يموتون في فراشهم. هؤلاء ما عادوا حتى يجرؤون على مراجعة طبيب كي لا يصف لهم دواء وعلاج. تفرضون ضرائب؟ تطالبون الناس بالقيام بواجباتهم؟ ماذا عن واجباتكم أنتم. سمعنا نوابنا الكرام يتحدثون عن أشياء كثيرة في جلسات الموازنة، لكن لم نسمع حرفًا عن من ليس لهم أحد إلا السماء. فمن أين يسددون؟ وعلى ماذا يحصلون؟ تذكروهم قبل أن يرحلوا.

للدولة حقوق يا دولة الرئيس القاضي نواف سلام وعليها واجبات. لا تنسَ هذا. ولا تستسهل مفاعيل مد اليد على من لم يبق لديهم شيء يخسروه سوى ملاليم راتب آخر الشهر هذا إن وُجد.

ماذا بعد؟ هل انتهت الأمور عند هذا الحد؟ هل سيُطوى الملف أمام ملف آخر يقترب؟

هناك من ينغل اليوم في الأقبية العمالية – لا الاتحاد العمالي العام طبعًا – لجعل الحكومة تتراجع عن قرارها. وماذا لو لم تفعل؟ هناك شبه حسم بأن الشوارع ستتحرك. ستتفاجأ الحكومة بتحركات غير متوقعة أشبه بقرارها الفجائي. ويقول أحد متابعي ملفات الكادحين: لا نريد أن يتدخل الطابور الخامس في ما سنفعله، لهذا نأخذ اليوم كل التحركات المقبلة بكثير من العناية. سننشط على الأرض على مستوى كل لبنان بشكل موجع. تحركاتنا ستكون مثل قراراتهم موجعة.

نصدق؟ صدقًا لا. لأننا مدركين أن الدولة العميقة ما زالت حاضرة. أقل قوة لكنها حاضرة. هي تريد اليوم إسقاط الحكومة لا استعادة الحقوق. نواف سلام أخطأ لأنه واضح وصادق كي لا نقول ما قاله لنا أحد الناشطين: هجين بين القوة والغباء (وعذرًا دولة الرئيس). استُدرجت فأخطأت. وأكثر من يضحك الآن في سرهم هم من يريدون إقحامك لإخراجك. فإذا خرجت سالمًا مما حصل فاحسب خطواتك المقبلة جيدًا.