العنصرية تُربك ملاعب أوروبا.. هل تُعاقَب الأندية والجماهير؟

لم تكن المواجهة الأخيرة لريال مدريد مجرد مباراة عادية، بل كانت حدثًا طغت عليه مشاهد واتهامات عنصرية استهدفت فينيسيوس جونيور، مما أعاد إحياء أزمة مستمرة. ففي لقاء بنفيكا وريال مدريد في لشبونة بتاريخ 17 شباط 2026، توقفت المباراة لمدة 11 دقيقة تقريبًا بعد أن أبلغ فينيسيوس الحكم بتعرضه لإساءة عنصرية، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى فتح تحقيق في هذه الواقعة.

الأمر المثير للانتباه هو أن ما حدث لم يبق مجرد مشادة كلامية عابرة في أرض الملعب، بل تحول سريعًا إلى قضية انضباطية. أشارت العديد من التقارير إلى تفعيل بروتوكول مكافحة العنصرية، ومع سير التحقيقات، قد تتسع دائرة المسؤولية لتشمل لاعبًا متهمًا بالإساءة وجماهير متهمة بالإشارات أو الهتافات المسيئة، في مشهد يعيد طرح السؤال الملح: لماذا تتكرر حوادث العنصرية في كرة القدم على الرغم من كثرة العقوبات والقوانين؟

كيف تعاقب اللوائح الكروية على العنصرية؟

على مستوى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، تفرض لوائح الانضباط عقوبات صارمة ضد “السلوك العنصري أو التمييزي”. تنص المادة 14 من لوائح يويفا على أن أي شخص يهين الكرامة الإنسانية على أساس اللون أو العِرق أو الدين أو الأصل الإثني أو النوع الاجتماعي أو التوجّه الجنسي يتعرّض لإيقاف لا يقل عن عشر مباريات أو لعقوبة مناسبة أخرى، وفي حال كان السلوك صادرا عن جماهير نادٍ ما، تُفرض غرامة كحد أدنى مع إغلاق جزئي للملعب أو منع بيع تذاكر جماهيره خارج الأرض، وقد تصل العقوبات إلى لعب مباريات دون جمهور أو إغلاق ملعب أو اعتبار المباراة خاسرة أو حسم نقاط أو حتى الإقصاء من البطولة.

هذا الإطار يوضح سبب تعامل الاتحاد الأوروبي مع قضايا العنصرية في مسابقاته كملف يتجاوز مجرد الحادثة نفسها، فالعقوبة قد تطال اللاعب والنادي معًا بناءً على نتائج التحقيق وتقارير الحكم والمنسق الأمني والمقاطع المصورة المتداولة.

القانون في إسبانيا من المدرج إلى المحكمة

في إسبانيا، لا تقتصر المواجهة على العقوبات الرياضية. هناك مسار إداري يعتمد على “قانون 19 لعام 2007” لمكافحة العنف والعنصرية وكراهية الأجانب وعدم التسامح في الرياضة، وهو إطار يهدف إلى وضع إجراءات وقائية ونظام عقوبات في الأحداث الرياضية. يمر جزء من العقوبات عبر “المجلس الأعلى للرياضة” والهيئات التابعة للجنة المعنية بالعنف والعنصرية في الرياضة، حيث تتكرر الأمثلة على فرض غرامات ومنع دخول الملاعب لفترات محددة في قضايا مختلفة.

الأهم من ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا نحو الأحكام القضائية، خاصة في القضايا المتعلقة بفينيسيوس. ففي أيار 2025، اعتُبرت الإساءات العنصرية في ملعب بلد الوليد قضية “جريمة كراهية” وفق ما وصفته رابطة الدوري الإسباني والمجلس الأعلى للرياضة، في سابقة مهمة لأنها ترفع الواقعة من خانة “سلوك مشين” إلى خانة تتعامل معها المحاكم بوصفها اعتداءً على الكرامة والحقوق.

وقبل ذلك في حزيران 2024، صدرت أحكام بالسجن بحق مشجعين بسبب إساءات عنصرية لفينيسيوس، وقدمت حينها كرابطة دوري أول إدانة مرتبطة بإهانات عنصرية في مباراة كرة قدم داخل إسبانيا.

تاريخيًا، كانت العنصرية في الرياضة مرتبطة بالبنى الاجتماعية نفسها، من فصل وتمييز وحرمان من الفرص، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى صراع على “التمثيل” وحق الوجود في المساحات العامة، قبل أن تصل اليوم إلى عصر جديد عنوانه الإساءة الفورية عبر المدرجات والمنصات الرقمية.

في منتصف القرن العشرين، أصبح دخول الرياضيين السود إلى المسابقات الكبرى حدثًا سياسيًا واجتماعيًا بامتياز. دخول جاكي روبنسون إلى دوري البيسبول الأميركي عام 1947 كان لحظة فاصلة في كسر الحواجز العرقية داخل الرياضة الأميركية، وسط توثيق واسع لما واجهه من عداء وتمييز.

وفي 1968، تحولت منصة التتويج الأولمبية إلى رسالة احتجاج شهيرة حين رفع تومي سميث وجون كارلوس قبضتيهما في مكسيكو سيتي، في واقعة بقيت من أكثر لحظات الرياضة التصاقا بنقاشات الحقوق المدنية والتمييز.

ثم جاءت كرة القدم الأوروبية لتكشف أن المشكلة لا ترتبط بزمن بعينه. في 2006، عاد ملف الهتافات العنصرية بقوة بعد تهديد صامويل إيتو بمغادرة الملعب إثر إساءات من المدرجات في الدوري الإسباني، ما وضع الأندية والاتحادات أمام اختبار علني. وفي 2014، تحولت واقعة رمي موزة على داني ألفيش في الليغا إلى رمز عالمي لصورة العنصرية في الملاعب، وما تبعها من نقاشات حول العقوبات ومسؤولية الأندية وسرعة التعرف إلى الجناة.

فينيسيوس كحالة مستمرة لا كحادثة منفردة

ما يميز قضية فينيسيوس هو أنها لم تعد تُعتبر مجرد حادثة فردية، بل سلسلة من الأحداث التي دفعت المؤسسات الكروية والقضائية إلى تبني لهجة أكثر صرامة. حتى على مستوى البيانات الرسمية، تم تقديم أحكام 2025 كاعتراف واضح بخطورة السلوك العنصري باعتباره جريمة كراهية، مما يشير إلى أن المعركة لم تعد مقتصرة على “إيقاف لاعب” أو “إغلاق مدرج”، بل تهدف إلى ترسيخ مبدأ الردع القانوني.

ومع كل واقعة جديدة، يتسع التساؤل حول الفجوة بين النصوص والتطبيق. اللوائح موجودة والعقوبات تتدرج حتى أقسى التدابير، والقانون الإسباني يتيح مسارات إدارية وقضائية، لكن تكرار المشاهد يوحي بأن الردع لا يتحقق بالغرامة وحدها، بل بسلسلة إجراءات تبدأ من التعرف السريع إلى الفاعلين ومنعهم من الملاعب، ولا تنتهي عند المحاكم حين يتطلب الأمر، تمامًا كما بدأت إسبانيا تفعل في قضايا مرتبطة بفينيسيوس خلال العامين الأخيرين.