
– وليد خوري
الخلاف الدائر اليوم ليس مجرد خلاف على أرقام. مبلغ 35 مليون دولار يبدو صادمًا في بلد يئن تحت وطأة الانهيار. لكن الأهم من هذا الرقم هو المسار الذي اختاره ديوان المحاسبة، والحدود التي وضعها لنفسه، والسؤال الأكثر خطورة: هل نحن بصدد ترسيخ رقابة مالية مشروعة، أم أننا أمام سابقة قد تفتح الباب لاستغلال الصلاحيات القضائية في صراع سياسي مُقنّع؟
القرار الذي اتخذه ديوان المحاسبة بشأن ملف مبنى “قصابيان” والبلوكين B و C في الباشورة لم يكن قرارًا عاديًا. الغرامات كبيرة، والأسماء ذات وزن، والرسالة واضحة: الوزراء ليسوا فوق المساءلة المالية. ظاهريًا، تبدو هذه الخطوة بمثابة تقدم نحو محاسبة طال انتظارها. لكن في الجوهر، يكشف الأمر عن نزاع دستوري عميق حول مدى حق الديوان في مساءلة الوزراء بشكل مباشر، متجاوزًا المسار الدستوري الخاص بمحاكمتهم.
وهنا تظهر الأهمية الكبيرة للاستشارة القانونية التي أعدها القاضي الدكتور الياس ناصيف، ليس للدفاع عن أشخاص، بل لإعادة التأكيد على مرجعية الدستور. هذه الاستشارة لا تنكر ضرورة المحاسبة، بل ترفض تحويل الرقابة إلى مسار بديل عن النص الدستوري.
المواد 70 و71 و80 من الدستور واضحة: اتهام الوزراء هو من صلاحية مجلس النواب، ومحاكمتهم تكون أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. هذه ليست مجرد تفاصيل إجرائية، بل هي منظومة كاملة صُممت لضبط مساءلة السلطة التنفيذية ضمن توازن دقيق بين السلطات. عندما يتجاوز ديوان المحاسبة هذا الإطار، ويعتبر نفسه مختصًا بمحاكمة الوزراء باعتبارهم مشمولين بمفهوم “الموظف العام” أو “من يتدخل في إدارة المال العام”، فإنه لا يمارس رقابة مالية فحسب، بل يعيد تفسير النظام الدستوري من زاوية رقابية.
الاستشارة تصيب جوهر المشكلة: الاختصاص ليس شكليًا، بل هو ضمانة دستورية. السماح لأي جهة بتجاوز المسار المحدد في المادة 70 بحجة حماية المال العام يعني عمليًا تفريغ النص من محتواه. والأخطر من ذلك هو أنه يخلق مسارًا موازيًا للمجلس الأعلى، ويؤسس لازدواجية في المرجعيات قد تنتهي بأحكام متناقضة، مما يضر بالأمن القانوني ويضعف هيبة المؤسسات بدلًا من تعزيزها.
المعضلة الثانية تتعلق بتوصيف الفعل. هل ما حدث في عقود الإيجار والشراء هو “إخلال بالواجبات المترتبة على الوزير” أم “جرائم عادية”؟ الاستشارة تميز بين الحالتين بوضوح: إذا كان الفعل مرتبطًا بشكل مباشر بممارسة الصلاحيات الوزارية، حتى مع وجود خطأ في التقدير، فإنه يندرج ضمن نطاق المساءلة الدستورية. أما إذا توافرت عناصر جريمة جزائية كالرشوة أو الاختلاس، فإن المسار الطبيعي هو القضاء العدلي. إنشاء مسار ثالث عبر رقابة مالية موسعة يعني توسيعًا اجتهاديًا للنصوص يتجاوز بنيتها الأصلية.
يضاف إلى ذلك مسألة صفة الوزير. الوزير، وفقًا لنظام الموظفين، ليس موظفًا عامًا تقليديًا. إخضاعه لرقابة “قضائية على الموظفين” يثير سؤالًا جوهريًا: هل يجوز إدخال صاحب الصفة الدستورية في إطار مساءلة إدارية صُممت أصلًا للموظف الإداري؟ الاستشارة تجيب بالنفي، معتبرة أن الوزير يخضع لنظام مساءلة خاص ومحدد دستوريًا، وأن توسيع مفهوم “بحكم الموظف” ليشمله هو التفاف على هذا النظام.
في بلد كلبنان، حيث تتقاطع السياسة بالقضاء، لا يمكن تجاهل البعد السياسي للمسألة. توسيع صلاحيات جهة رقابية بهذا الشكل، من دون حسم دستوري واضح، يفتح الباب أمام احتمالات التوظيف السياسي. اليوم قرار يطال فريقًا، وغدًا قرار يطال فريقًا آخر. من يضمن ألا تتحول الرقابة إلى أداة ضغط في معارك السلطة؟ من يضمن ألا يصبح تفسير الصلاحيات رهنًا بالظرف السياسي؟
الاستشارة لا تتغافل عن المال العام، بل تعيد وضع استرداده ضمن مسار قانوني متماسك. فهي تثير أيضًا مسألة مرور الزمن، وتؤكد أن اعتبار المخالفة “خفية” يجب أن يثبت بصورة قاطعة، وإلا سقطت الملاحقة. كما تشدد على أن المسؤولية الشخصية للوزير من ماله الخاص ليست قاعدة عامة، بل استثناء محدد في قانون المحاسبة العمومية. تحميل الوزير مسؤوليات مالية ضخمة خارج هذا الإطار قد يرضي الرأي العام الغاضب، لكنه يهدد بتحويل العمل الوزاري إلى مخاطرة مفتوحة، مما قد يؤدي إلى شلل في القرار العام.
ثم إن العدالة لا تُختزل بشخص واحد. القرارات التعاقدية تمر عبر شركات، مجالس إدارة، لجان، تقارير خبراء، أجهزة رقابية. حصر المسؤولية بالوزير وحده قد يبدو سياسيًا جذابًا، لكنه لا يعكس دائمًا الواقع الإداري المعقد. العدالة الحقيقية تتطلب تفكيك سلسلة القرار كاملة، لا الاكتفاء بعنوان سياسي.
المسألة إذًا ليست دفاعًا عن وزير أو اعتراضًا على محاسبة. إنها معركة حول حدود الصلاحيات. فإذا تحولت الرقابة إلى اجتهاد مفتوح يتجاوز النصوص، فإن النتيجة لن تكون دولة قانون أقوى، بل دولة تتنازع فيها المرجعيات. وإذا أصبح كل مرجع يحدد لنفسه حدود اختصاصه، فإن النظام الدستوري يتحول إلى مساحة تأويل لا إلى إطار ملزم.
المحاسبة في لبنان مطلوبة، بل ملحة. لكن المحاسبة خارج الدستور ليست إصلاحًا، بل مغامرة. استرداد المال العام هدف مشروع، لكن الطريق إليه لا يمر بكسر التراتبية الدستورية. بين قرار ديوان المحاسبة واستشارة القاضي ناصيف، يبقى السؤال معلقًا: هل نريد عدالة راسخة تحترم الدستور، أم قرارات مدوية قد تسقط عند أول اختبار قضائي أعلى؟
الجواب لن يحدد مصير هذا الملف فقط، بل سيحدد شكل العلاقة بين الرقابة والسياسة في لبنان. وإذا لم تُرسم الحدود بوضوح اليوم، فقد نكتشف غدًا أن سابقة الـ35 مليون دولار أخطر بكثير من الرقم نفسه.