
منذ ظهور عملة البيتكوين عام 2009 وانتشارها عالمياً كأكبر عملة رقمية من حيث القيمة السوقية وتزايد المستمر في سعر البيتكوين، يبرز تساؤل مهم: هل من الممكن أن تصبح البيتكوين العملة الرسمية للعالم أجمع؟ تتميز البيتكوين بأنها عملة رقمية لا تخضع لسيطرة أي جهة مركزية، وتتجاوز الحدود الجغرافية، ويتم تداولها على مدار الساعة دون الحاجة إلى وسيط. وقد أدى هذا الانتشار إلى نقاشات واسعة حول إمكانية اعتمادها كعملة موحدة للتبادل الدولي.
في الوقت الراهن، يستخدم الملايين من الناس حول العالم البيتكوين سواء للاستثمار أو لإجراء عمليات الدفع. تشير التقديرات إلى أن حوالي 106 مليون شخص يمتلكون البيتكوين في عام 2026، أي ما يعادل 1.3% فقط من سكان العالم. تمتلك هذه العملة الافتراضية مزايا فريدة قد تدعم فكرة العملة العالمية الموحدة: فهي ذات عرض محدود لا يتجاوز 21 مليون وحدة، مما يجعلها أكثر مقاومة للتضخم على المدى الطويل. كما أن معاملاتها رقمية فورية تتم عبر الإنترنت دون الحاجة إلى المرور بالنظام المصرفي التقليدي، مما يسهل المدفوعات عبر الحدود ويخفض تكاليف التحويلات المالية. يؤكد المؤيدون للبيتكوين أن طبيعتها اللامركزية تمنع السيطرة الحكومية عليها، وبالتالي تحول دون التلاعب بالمعروض النقدي وتقليل التضخم المفرط الذي قد ينتج عن طباعة العملات التقليدية بلا قيود. يرى البعض في البيتكوين “ذهب رقمي” يمكن أن يكون مخزناً للقيمة ووسيلة للتحوط من التضخم على غرار الذهب التقليدي، نظراً لندرة المعروض منه وعدم ارتباطه بمخاطر الأطراف المقابلة.
بدأت بعض الدول الصغيرة بالفعل في اختبار اعتماد البيتكوين رسمياً. ففي عام 2021، أصبحت السلفادور أول دولة تجعل البيتكوين عملة قانونية إلى جانب الدولار الأمريكي، تبعتها جمهورية أفريقيا الوسطى في عام 2022. هدفت هذه الخطوات إلى تعزيز الشمول المالي وجذب الاستثمارات. ففي حالة السلفادور، راهن الرئيس “نايب بوكيلي” على أن البيتكوين سيوفر الخدمات المالية لما يقرب من 70% من السكان الذين لا يملكون حسابات مصرفية، ويسهل تلقي التحويلات من الخارج التي تشكل 20% من الناتج المحلي للبلاد. كما شهدت السلفادور انتشاراً لمدفوعات البيتكوين، حيث تقبل أكثر من 1,166 شركة محلية الدفع بها حتى الآن. تشير هذه المؤشرات إلى إمكانية استخدام البيتكوين في الحياة اليومية جنباً إلى جنب مع العملات التقليدية.
إلا أن تجربة “الدولرة بالبيتكوين” في تلك البلدان واجهت تحديات كبيرة. فقد أظهرت دراسة في يوليو 2022 أن أقل من ربع المواطنين في السلفادور استمروا في استخدام المحفظة الرقمية الحكومية للبيتكوين، وأن العديد من الشركات عادت إلى التعامل النقدي التقليدي. كما انخفضت قيمة ما استثمره البنك المركزي السلفادوري في البيتكوين (حوالي 107 مليون دولار) بأكثر من 60% مع تراجع أسعارها. في جمهورية أفريقيا الوسطى، أدى ضعف البنية التحتية الرقمية (الكهرباء والإنترنت) إلى إعاقة انتشار استخدام البيتكوين. وأثار تبني البيتكوين توتراً مع المؤسسات المالية الدولية؛ حيث حذر صندوق النقد الدولي من أنه لن يقدم قروضاً للسلفادور ما لم تعدل سياستها بشأن البيتكوين نظراً للمخاطر المالية. وبالفعل، استجابت حكومة السلفادور للضغوط وتوقفت عن شراء المزيد من البيتكوين في 2025 كجزء من تلبية شروط صندوق النقد.
على الصعيد العالمي، لا تزال معظم البنوك المركزية والحكومات تتبنى موقفاً حذراً للغاية تجاه تحويل البيتكوين إلى عملة رسمية. ترى البنوك المركزية أن تقلبات البيتكوين الشديدة تشكل عائقاً أساسياً. فقد شهدت العملة الرقمية منذ إطلاقها ارتفاعات وانخفاضات حادة بشكل متكرر (وقوع 19 موجة انخفاض تفوق 20% بقيمة وسطية حوالي 44%)، مما يجعل استخدامها كوسيلة للتسعير والتبادل أمراً محفوفاً بالمخاطر. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال استخدام البيتكوين في المعاملات اليومية محدوداً؛ حيث قدرت إحدى الدراسات أن أقل من 30% من نشاط العملات المشفرة يُخصص حالياً لشراء السلع والخدمات، بينما الغالبية يُستخدم للتداول والاستثمار. تعزز هذه المؤشرات الرأي القائل بأن البيتكوين حالياً أقرب إلى أصل استثماري منه إلى عملة مستقرة للاستخدام اليومي.
من الناحية التنظيمية، لا يوجد إجماع دولي بعد حول كيفية التعامل مع العملات الرقمية. فقد حظرت الصين التعامل بالعملات المشفرة تماماً، في حين أحرز الاتحاد الأوروبي تقدماً في وضع إطار تنظيمي على مستوى التكتل (“قانون MiCA”). أما الولايات المتحدة فقد مددت القوانين المالية القائمة لتشمل صناعة التشفير، مع إمكانية وضع المزيد من التشريعات مستقبلاً. هذا التباين في النهج التنظيمي دفع صندوق النقد الدولي إلى التحذير من أن المسارات التنظيمية المتباينة ستجعل من الصعب تنسيق الجهود لاحقاً، وقد تمنح الفرصة للمستغلين لممارسة أنشطة مالية غير قانونية باستخدام العملات المشفرة.
على الرغم من النمو الكبير في قيمة البيتكوين السوقية والتي تجاوزت 3.7 تريليونات دولار لسوق الأصول المشفرة في ذروتها عام 2024، مع استحواذ البيتكوين وحدها على ما يزيد عن 60% من القيمة الإجمالية، فإن البنوك المركزية الكبرى لا تزال بعيدة عن تبنيها. فقد أكدت “كريستين لاغارد” رئيسة البنك المركزي الأوروبي على أن المصارف المركزية لن تحتفظ بالبيتكوين في احتياطياتها قريباً، قائلة إن “الاحتياطيات يجب أن تكون سائلة وآمنة”، وأن البيتكوين بتقلباته العالية ومخاطره المرتبطة بغسل الأموال والأنشطة غير المشروعة لا يفي بهذه المعايير. بل وصف مسؤولون في البنك المركزي الأوروبي البيتكوين بأنه “لا يصلح كوسيلة دفع أو كاستثمار” وأن “قيمته العادلة قد تكون صفراً”. وعلى المنوال ذاته، صرح “جيروم باول” رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أواخر 2024 أن البنك المركزي “غير مسموح له بامتلاك البيتكوين” وأنه لا يسعى لتغيير القانون بهذا الخصوص.
بدلاً من تبني عملة مشفرة لا مركزية، تتجه البنوك المركزية حول العالم نحو تطوير عملاتها الرقمية الخاصة للحفاظ على السيطرة. فبحسب تقرير حديث، هناك 130 بلداً – تمثل قرابة 98% من الناتج الاقتصادي العالمي – تدرس أو تطور عملات رقمية للبنوك المركزية (“CBDC”)، وقد وصل نحو نصفها إلى مراحل متقدمة من التجريب أو الإطلاق الفعلي. يعكس هذا التوجه رغبة الدول في الاستفادة من تقنيات البلوكشين والعملات الرقمية دون التضحية بسيادة سياستها النقدية. فلو حلت البيتكوين مكان العملات الوطنية كعملة عالمية موحدة، لفقدت البنوك المركزية أدواتها التقليدية للتحكم بالمعروض النقدي وأسعار الفائدة، مما قد يقوض قدرتها على إدارة الاقتصاد، ولذلك تبقى المؤسسات النقدية حذرة جداً حيال هذا السيناريو.
جانب آخر لا يمكن إغفاله هو اعتبارات الأمان. فرغم أن تقنية سلسلة الكتل الخاصة بالبيتكوين ذات موثوقية عالية، فإن منصات التداول والمحافظ الرقمية ليست بمنأى عن الاختراقات. وقد تعرضت بورصات العملات المشفرة لسرقات ضخمة، حيث سُرق ما يقدر بـ 2.2 مليار دولار من الأصول الرقمية خلال عام 2024 وحده نتيجة عمليات قرصنة – بزيادة 21% عن خسائر 2023 – علماً بأن عام 2022 شهد الرقم القياسي لسرقات العملات المشفرة بإجمالي 3.7 مليارات دولار. تزعزع مثل هذه الحوادث الثقة لدى المستخدمين وصانعي القرار، خاصة وأن فقدان المدخرات ممكن بضغطة زر إذا ما تمكن القراصنة من اختراق منصة أو حصولهم على المفاتيح السرية. وإضافة إلى ذلك، يؤدي التعقيد التقني إلى أخطاء المستخدمين أنفسهم في حفظ كلمات المرور والمفاتيح الخاصة، مما تسبب في فقدان دائم لما يملكونه من بيتكوين؛ إذ تُشير تقديرات إلى أن بين 3 إلى 4 ملايين بيتكوين قد فُقدت إلى الأبد بسبب نسيان المفاتيح أو فقدان الأجهزة.
ولا يمكن تجاهل البعد البيئي في تقييم تبني البيتكوين على نطاق عالمي. فآلية تعدين البيتكوين تستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية لتشغيل الحواسيب وحل المعادلات التشفيرية المعقدة. تشير التقديرات إلى أن الشبكة تستهلك ما يفوق 204 تيراواط/ساعة سنوياً، وهو مستوى يقارب استهلاك دولة مثل تايلاند من الكهرباء. وقد أثار هذا الانتقاد من هيئات دولية ومنظمات بيئية، خاصة مع اعتماد جزء كبير من تعدين البيتكوين على مصادر طاقة غير متجددة مثل الفحم والغاز، مما يرفع البصمة الكربونية. لذا فإن أي خطوة نحو تحويل البيتكوين لعملة عالمية لا بد أن تضع في الحسبان معالجة هذه التحديات عبر التحول نحو التعدين بالطاقة النظيفة وتقنيات أقل استهلاكاً.
في المحصلة، على الرغم من أن البيتكوين أثبتت نفسها خلال أكثر من عقد كابتكار مالي لافت وكأكبر عملة رقمية مشفرة، وعلى الرغم من أنها مرشح نظري بفضل عالميتها وحياده ليكون عملة عالمية موحدة، فإن العقبات الواقعية والتنظيمية تجعل هذا السيناريو غير مرجح في الوقت الراهن. بالنسبة للكثير من الحكومات، ستظل البيتكوين أصلاً استثمارياً عالي المخاطر أشبه بـ”الذهب الرقمي” يُخزن للقيمة وليس بديلاً عن عملاتها الوطنية المدعومة باقتصاداتها. ربما نشهد خلال السنوات المقبلة ارتفاعاً في دور البيتكوين كأصل احتياطي تكميلي – حيث تتوقع بعض الدراسات إمكانية أن تحتفظ به عدة بنوك مركزية بجانب الذهب في غضون هذا العقد – بيد أن تحويله إلى عملة قانونية مشتركة للعالم يتطلب توافقاً دولياً غير مسبوق وتغلباً على تقلباته ومخاطره الحالية. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى البنوك المركزية متمسكة بسيادتها النقدية عبر تطوير عملاتها الرقمية الخاصة، فيما يظل البيتكوين لاعباً رئيسياً في أسواق المال العالمية ولكن خارج إطار العملة الرسمية الموحدة.